المؤتمر نت -
نبيل عبدالرب -
الجهاد الأفغاني الإيراني والجهاد الياباني الألماني
عشرات ذهبوا الجمعة ضحية فكر متطرف أودى بحياتهم بلا رحمة، ودون اعتبار لحرمة الدم الإنساني والمسلم، ومعهم تدخل عشرات الأسر في حزن وألم فراق أحبة، نسأل الله أن يكتبهم في الشهداء ويسكنهم جناته، ويلهم ذويهم الصبر والسلوان.

مشاهد القتل التي حدثت الجمعة نراها في ليبيا وسوريا والعراق ولبنان واليمن. وجديد الجريمة الأخيرة في بلدنا أنها حملت بصمة طائفية باستهدافها بشكل منسق مساجد تمثل أهم مراكز ثقافية دينية للحوثيين المحسوبين على التيار الشيعي في صنعاء، لتدخل اليمن منعطفاً بارزاً ضمن أجندة التفريخ والصراع الطائفي في عدد من البلدان العربية.

فعل العنف يسبقه فكر للعنف يبرر الفعل ويمنحه المشروعية ويلبسه سمو الغاية ونبلها. وإشكالية البشرية على مر تاريخها، المدون على الأقل، أن الكثير من العنف تمسح بمقولات دينية جعلته أشد قسوة ووطأة، وحقيقة تلك المقولات أنها عبارة عن تفسيرات بشرية للأديان –وليست هي الأديان نفسها- تحولت مع مرور الزمن إلى التمتع بقدسية النص الديني الأصلي، وأصبحت تدخل كمكون أساسي في ثقافات المجتمعات والشعوب.

ومثلما تعاني المجتمعات العربية والإسلامية اليوم من العنف وسفك الدماء تحت رايات دينية، ذاقت شعوب أخرى في العالم بينها الأوروبية ويلات الحروب الدينية والطائفية.
ولعل الفارق بيننا وبينهم أنهم استطاعوا خلق تفسيرات للدين أسهمت في إعادة بناء للثقافة أهلتهم لامتصاص الصدمات والهزات التي تعرضت لها مجتمعاتهم، بعكس ما نبدو عليه نحن العرب والمسلمين من التعاطي مع الأزمات والصدمات والظروف الاستثنائية.

وحتى لا نغرق في تعقيدات التاريخ، ومحاولة حشد البراهين نكتفي بنموذجين معاصرين لثقافتين من حيث تعاملهما مع الصدمات والانتكاسات، دعونا نسميهما مجازاً ثقافتين جهاديتين، الثقافة الجهادية الأفغانية الإيرانية، والثقافة الجهادية اليابانية الألمانية، مع إدراك الجمع الاعتباطي للشتات بين الثقافات المشار إليها لولا أن الهدف يتحدد في الاقتصار على الطريقة الجهادية لكل منهما.

لعل الصدمات التي يتلقاها مجتمع ما، وبخاصة الانتكاسات الكبيرة تشكل بيئة لخلق أو إحياء أفكار وإيديولوجيات متطرفة وربما انتقامية، غالباً ما تجد لها بذوراً في الثقافة بمعناها الواسع وبمكوناتها التي يمثل الدين بقوته الدافعة أحد أهم روافدها.

ومن المستحيل القفز على حقيقة أن كل الثقافات تحتوي جذور السلام والعنف معاً، المنعكسة في مقولات، المؤمنين والكفرة، الخيرين والشريرين، وما يتعلق بهما من مترتبات نسميها في ديننا الإسلامي الحنيف الولاء والبراء.

ما حصل أن كل الشعوب، عبر التاريخ تعرضت للانكسارات والهزات، من بينها الشعوب العربية والإسلامية، والشعبين الياباني والألماني.

في الأولى أدت الصدمات إلى حيرة حضارية خلقت الارتباك وزادت من التشتت، وأحيت وأنبتت إيديولوجيات متطرفة، اتخذت لبوسات طائفية سيما مع نهاية سبعينات القرن الماضي، والنتيجة أن البلدان العربية والإسلامية واصلت حالة الضعف والإنخراط في صراعات بينية أضعفت أداءها وتأثيرها في السياسة والاقتصاد العالميين، وكذلك تسببت في محدودية إن لم يكن انعدام العطاء الثقافي والحضاري، على الرغم من الإمكانيات الجغرافية والبشرية والاقتصادية والتاريخية والثقافية الكامنة.

وبالموازاة تميزت بلدان وشعوب كاليابان وألمانيا، على ضيق مساحتيهما وقلة مواردهما الطبيعية بالقدرة على امتصاص الهزائم والإذلال والتدمير شبه الكامل سواءً في الحرب العالمية الثانية أو ما قبلها، وإعادة بناء دولتيهما ليصلا في عقود قليلة إلى اثنين من أكبر الاقتصادات في العالم، وإلى دور سياسي مؤثر على مستوياتهما الإقليمية والدولية.

الاختلاف بين الشعوب العربية والإسلامية والشعبين الياباني والألماني. أن الأولى تبنت جهاد الهدم والإنهاك الذاتي، جهاد الموت، فيما الثانية تبنت جهاد البناء والنهوض، جهاد الحياة.
تمت طباعة الخبر في: الخميس, 13-أغسطس-2020 الساعة: 11:20 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/news/121604.htm