المؤتمر نت - *
بقلم : أ.د . محمد بن حمود الطريقي * -
اليمن الخليجي " بين الإعاقة السياسية والتأهيل الكاذب"
انضمام اليمن لدول مجلس التعاون الخليجي قضية عربية أخذت من الأبعاد والمساحات ما هو أكبر من البساطة التي كان يُفترض أن تكون بها، بفضل عراقيل الأزمات السياسية التي مرت على المنطقة وغياب البعد الاستراتيجي عن أنظار المعنيين في هذا الانضمام ، لتصبح قضية تصارع البرود والجمود تارة وتتخذ أشكال المسار الطبيعي بشكل جزئي تارة أخرى وهذا الملمح هو الذي يدعونا كي نتصور هذا الانضمام بين الإعاقة السياسية والتأهيل الكاذب !!

خطوات اليمن لهذا الانضمام التي تمثلت بتوجيه القيادة السياسية في صنعاء لمواءمة القوانين اليمنية مع القوانين الخليجية ، وبدء فتح مسارات الانضمام لمنطقة التجارة الخليجية الحرة وهيئة المقاييس والمواصفات الخليجية ومكتب براءات الاختراع، بل وتقدم اليمن رسمياً بطلب انضمام كامل إلى دول مجلس التعاون الخليجي الذي عرض على قادة القمة الخليجية في مسقط 2000م هي خطوات ذات مرجعية قائمة على حتمية تاريخية وجغرافية لليمن مع دول الخليج العربي تتكسر طموحاتها على صخرة سياسية كبيرة تفرض مخاوف وهمية من انضمام اليمن إلى دول مجلس التعاون الخليجي ، كما تفرض وهم ضرورات التأني في اتخاذ قرار انضمام اليمن وتداعي حجج ضرورة تأهيل الاقتصاد اليمني ومؤثرات هذا الانضمام على دول الخليج.

أمام هذه الإعاقة السياسية لا بد لنا أن ندرك أن اليمن هو جزء جغرافي من دول الخليج بل وممثل حقيقي لعمقها الاستراتيجي وأحد أهم عناصر دعم الأمن والاستقرار في المنظومة الخليجية وداعم رئيسي إذا ما كان ضمن هذه المنظومة في ديمومة واستمرار العملية التنموية في كافة دول الخليج، وهو الجسر الآمن للخليج العربي مع القارة الإفريقية من شتى النواحي وفي مقدمتها الناحية الاقتصادية ، كما أن انفتاح اليمن على مساحات واسعة من سواحل المحيط الهندي والبحر الأحمر وخليج عدن يمثل بعداً استراتيجياً أشبه بالبعد الوقائي لقضايا تأمين طرق النفط الخليجي إلى العالم الذي يمثل الدخل القومي الرئيسي لدول الخليج، كما أن الواقع ذاته يتطلب منّا إدراكاً ثانياً وبعمق أكبر إلى ما يشكله اليمن من ظهير آمن للمنظومة الخليجية والذي يتمثل بالحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية والحدود الغربية لسلطنة عُمان.

إن المعطيات السابقة تدحض بما لايدع مجالاً للشك أكذوبة التأهيل المطلوب للاقتصاد اليمني ، لا لأنه إقتصاد قوي الآن، بل لأن تأهيله لا يكون كمتطلب سابق للانضمام بل أن الانضمام هو بعينه أول خطوات هذا التأهيل ، خاصة إذا ما علمنا أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في اليمن تساوي كافة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في كافة دول الخليج مجتمعة ، وأن التعداد السكاني الذي يمثل القوى والموارد البشرية يكاد يكون متناسباً ، وهنا وبعد أن نضع هذه الحقائق على المائدة الخليجية نتسائل بعدها عن نقص الغذاء ، ونقص الموارد البشرية ، وقبل كل هذا وذاك عن غياب تكتل سياسي قوي في المنطقة من شتى المناحي والأبعاد.

الحقيقة السياسية القائمة التي تفرز اليمن كالدولة الوحيدة التي لا تطل على الخليج العربي ، وتتمتع بنظام جمهوري ضمن المنظومة الخليجية لا تعني بأي شكل من الأشكال ترك اليمن في مغبة وضعه الاقتصادي الراهن ومرتعاً لمنظمات الإغاثة والعون الإنساني، لأن التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحكم سيطرتها على المنطقة هي ذات التحديات على كل المنظومة ، الأمر الذي يفرض وجود مثل هذا التكتل للوقوف في وجه هذه التحديات ، وأما التداعيات الخليجية التي تظهر بين الحين والآخر من المخاوف الاقتصادية على مستوى العمالة ، فإنها تداعيات مدحوضة إذا ما علمنا أن دول الخليج العربي تستضيف اليوم أكثر من مليون يمني من هذه العمالة ، في حين أنها تستضيف أيضاً أعداداً مهولة نسبياً من العمالة غير العربية التي تقوم بتحويل ما يزيد عن العشرين مليار دولار من الاقتصاد الخليجي إلى الخارج وهي عمالة غير مؤهلة بعيداً عن النقاش في موضوع الكفاءات، لأنه أصلاً موضوع قائم داخل المنظومة الخليجية الحالية باليمن أو بدونه !!.

إذا كان البنك الدولي الذي تحسب له كل الدول ألف حساب بل والذي يتحكم في الظروف السياسية والاقتصادية الداخلية لمعظم دول العالم يقول خبراؤه بالآثر الإيجابي لأنضمام اليمن للمنظومة الخليجية من نواحي كثيرة، ألا يستدعي منّا هذا الأمر أن نتتبع هذه الآراء ونأخذ منها ما قد يكون ذا أثر إيجابي من هذه الناحية، أم أننا اعتدنا الأخذ برأي البنك الدولي فيما يعزز برامجنا على المستوى السياسي فقط؟

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً ، الإيمان يمان، والحكمة يمانية.." و " الحكمة يمانية والدين يماني .. فهل نحن مستعدون لاستقبال أهل اليمن ضمن منظومتنا الخليجية ؟

قبل أيام انتهت أوراق اجتماع آخر لمجلس التنسيق السعودي اليمني، واليمن دائمة الحركة باتجاه دول الخليج العربي من أجل أن تكون ضمن هذه المنظومة التي تؤسس لأقوى كيان اقتصادي عربي وتبذر لأفاق وحدة وإلتقاء عربي على كافة المستويات ، فهل سيكون انضمام اليمن وقيام هذا التكتل القوي في كل شيء بداية للقوة العربية ؟

أعتز بأني سعودي ، وأعتز لدوري التنموي في اليمن ، ولكني أخط هذه الكتابة من منظور أني عربي أنظر لكل نقاط الالتقاء العربية نظرة المتفائل الذي يحاول دائماً أن ينسى واقعنا العربي المأزوم ، وخياراته الجامدة وتقاعسه الإرادي ، وتبدل أولوياته ... وهذا ما يسعف به القول .

*الباحث الرئيسي المشرف العام على مركز أبحاث الشرق الأوسط للتنمية الإنسانية وحقوق الإنسان ، الرياض ـ صنعاء
تمت طباعة الخبر في: الخميس, 13-أغسطس-2020 الساعة: 12:26 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/news/40387.htm