![]() |
الوحدة اليمنية.. خَيار التاريخ ومشروع النجاة في لحظةٍ مفصلية تمر بها اليمن والمنطقة، تتجدد الحاجة إلى استحضار المعنى الحقيقي للوحدة اليمنية، ليس بوصفها ذكرى سياسية عابرة، بل باعتبارها مشروعًا وطنيًا وحضاريًا شكَّـل على الدوام صمام أمان لليمنيين في مواجهة مشاريع التمزُّق والهيمنة والاستهداف الخارجي.. لقد أثبتت السنوات الماضية، بكل ما حملته من عدوان وحصار وأزمات، أن اليمن كلما اقترب من وحدته اقترب من الاستقرار والقوة، وكلما انزلق نحو التشظّي والانقسام اتسعت دوائر المعاناة وتَـكاثرت التدخُّلات الأجنبية.. ومن هنا فإن التمسُّك بالوحدة لم يعد مجرد موقف سياسي، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية الدولة والمجتمع والهوية الجامعة.. إن ما يميّز الوحدة اليمنية أنها لم تكن يومًا اتفاقًا جغرافيًا بين شطرين، بل تعبيرًا صادقًا عن إرادة شعب ظل عبر التاريخ ينظر إلى نفسه كجسد واحد ومصير مشترَك.. فالوحدة التي سكنت وجدان اليمنيين قبل أن تُعلَن رسميًا، لا يمكن اختزالها في حدود أو ترتيبات سياسية قابلة للتفكيك وفق رغبات الخارج أو حسابات القوى العابرة.. وإذا كانت بعض المشاريع الانفصالية قد حاولت استثمار ظروف الحرب والعدوان لإعادة إنتاج الانقسام، فإن الواقع أثبت محدودية تلك المشاريع وعجزها عن بناء نموذج قادر على تلبية تطلُّعات الناس أو توفير الحد الأدنى من الاستقرار والخدمات.. بل إن السنوات الماضية كشفت بوضوح أن مشاريع الانفصال التي تديرها بعض دول الإقليم عبر أدواتها ومرتزقتها في الداخل لم تنجح في خلْق واقع مستقر أو مشروع وطني مُقـنِع، لأن اليمنيين بطبيعتهم وتاريخهم يدركون أن قوتهم الحقيقية تكمن في وحدتهم لا في تَشظّيهم.. وفي المقابل ظل اليمنيون، شمالًا وجنوبًا، يحملون حنينًا متجدّدًا إلى الدولة الواحدة الجامعة التي تكفل الشراكة والعدالة والسيادة الوطنية، باعتبارها المَخرَج الحقيقي من حالة الفوضى والانقسام والتبعية.. لقد أدرك المؤتمر الشعبي العام، منذ تأسيسه، أن الوحدة ليست مكسبًا سياسيًا لطرف دون آخر، بل منجزًا تاريخيًا شاركت في صناعته القوى الوطنية وفي مقدمتها المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، انطلاقًا من الإيمان بأن اليمن القوي الموحَّد هو القادر على حماية الديمقراطية وترسيخ السلام وصَوْن القرار الوطني المستقل.. ومن هذا المنطلَق ظل المؤتمر، في مختلف مواقفه وبياناته الوطنية، يؤكد تَمسُّكه بالثوابت الوطنية، ورفْضه كل مشاريع التقسيم والارتهان، باعتبار أن الحفاظ على وحدة اليمن يمثّل حجر الأساس لأي مشروع نهضوي أو إصلاحي في المستقبل.. كما أن الربط بين وحدة اليمن ومحيطه العربي ليس أمرًا طارئًا أو خطابًا عاطفيًا، بل حقيقةً أكَّـدتها المواقف التاريخية لليمنيين تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.. فحين تَوحَّد الموقف الشعبي والرسمي اليمني في دعم فلسطين، برزت الوحدة الوطنية باعتبارها مصدر قوة وموقع تأثير، ورسالة تؤكد أن اليمن الموحَّد أكثر قدرة على أداء دوره القومي والإسلامي.. إن التحدّيات التي تواجه اليمن اليوم تستوجب خطابًا وطنيًا جامعًا يتجاوز حسابات الانقسام، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة والشراكة الوطنية، بعيدًا عن مشاريع التبعية والتفتيت.. فالوحدة لم تعد مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل قضية وجود ومصير، وخَيارًا لا غِنى عنه لإنقاذ اليمن من دوامة الصراع والانهيار.. وفي هذا السياق، فإن أي محاولة للمساس بالوحدة اليمنية أو الدفع نحو تمزيق البلاد ستواجَه بإرادة شعبية صلبة ووعي وطني متجذّر، لأن اليمنيين باتوا أكثر إدراكًا لحجم المخاطر التي تستهدف وطنهم، وأكثر قدرة على الدفاع عن خَياراتهم السيادية وثوابتهم الوطنية.. كما أن استمرار التدخُّلات الخارجية ومحاولات فرض مشاريع التقسيم لن يؤدي إلا إلى تعميق حالة الرفض الشعبي لتلك السياسات، التي أثبتت فشلها وعجزها عن صناعة الاستقرار.. وفي مقابل ذلك، تكشف الوقائع حجم المأساة التي يعيشها المواطن في المناطق الواقعة تحت سيطرة القوى المرتبطة بدول العدوان، حيث تتفاقم الأزمات المعيشية والخدمية بصورة غير مسبوقة، بينما تنشغل بعض النخب التي باعت قرارها الوطني بالإقامة في فنادق الخارج وإدارة المشهد من بعيد، بعيدًا عن معاناة الناس وآلامهم اليومية.. وهو ما يفضح حقيقة الشعارات التي رُفعت باسم الإنقاذ أو التحرير، في الوقت الذي ظل فيه المواطن وحده يدفع ثمن الارتهان والتبعية والانقسام.. وأمام كل ما شهدته البلاد من استهداف ومحاولات لإضعافها، يظل الرهان الحقيقي معقودًا على وعي اليمنيين وإدراكهم أن المستقبل الآمن والمستقر لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل يمنٍ موحَّد، سَيّد قراره، وقادر على حماية أرضه وهويته وقراره الوطني.. ولهذا كله، ولأنها مناسبة نحتفي فيها بذكرى وحدة الإنسان والأرض، نعلنها كمؤتمريين رفضاً قاطعاً لأي تَحرُّكات مشبوهة تستهدف شق الصف المؤتمري أو فرض وصاية خارجية على قراره الوطني والتنظيمي، عبر أطر مرتبطة بأجندة الخارج.. ونقول إن هذه التحرُّكات لا تعـبّر عن إرادة القواعد المؤتمرية، بل تمثّل محاولة لإعادة إنتاج الانقسام وإقحام الحزب في مشاريع سياسية تخدم قوى العدوان وتستهدف الهوية الوطنية ووحدة الصف التنظيمي.. والشرعية التنظيمية تُستمد من المؤسسات القائمة وإجماع القواعد المؤتمرية في الداخل، برئاسة الشيخ صادق بن أمين أبو راس.. وأن أي مشاريع موازية أو كيانات مفروضة لن تزيد المؤتمريين إلا تَمسكًا بوحدة تنظيمهم ورفضًا لمحاولات التفتيت والارتهان. * نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام |

