![]() |
أبوراس وخطاب تثبيت الشرعية التنظيمية في مواجهة مشاريع التفكيك في وضع سياسي بالغ التعقيد وفي لحظة شديدة الحساسية تتقاطع فيها التهديدات الخارجية مع محاولات إعادة تشكيل الخارطة الداخلية للقوى الوطنية جاءت كلمة رئيس المؤتمر الشعبي العام الأخ صادق بن أمين أبوراس خلال الاجتماع التنظيمي الموسع للجنة العامة والأمانة العامة ورؤساء فروع المؤتمر في المحافظات والجامعات ـ بتاريخ 26/ مايو الفائت ـ بوصفها خطاباً سياسياً وتنظيمياً بالغ الدلالة أعاد من خلاله التأكيد على ثوابت المؤتمر الوطنية، ورسم ملامح رؤيته للمرحلة المقبلة، وحدد بوضوح طبيعة التحديات التي تواجه اليمن والمؤتمر معاً. لم تكن الكلمة مجرد حديث تنظيمي داخلي وإنما بدت أقرب إلى إعلان موقف سياسي متكامل، حمل رسائل متعددة الاتجاهات إلى الداخل المؤتمري وإلى القوى السياسية وإلى الأطراف الإقليمية والدولية، وحتى إلى تلك الأصوات النشاز التي تحاول التحدث باسم المؤتمر أو تقديم نفسها بديلاً عن مؤسساته الشرعية.. فمنذ اللحظة الأولى بدا واضحاً أن أبوراس أراد تأكيد الترابط العضوي بين المؤتمر والوطن حين استهل حديثه بتهنئة الشعب اليمني وقيادته الثورية والسياسية وقيادات وقواعد المؤتمر بمناسبة العيد الوطني للوحدة اليمنية المباركة في تأكيد واضح أن الوحدة اليمنية لا تزال في صدارة الثوابت الوطنية التي يتمسك بها المؤتمر الشعبي العام باعتبارها منجزاً تاريخياً لا يقبل المساومة أو التفريط.. وفي العمق عكست كلمة رئيس المؤتمر إدراكاً سياسياً لحجم التحولات الخطيرة التي تمر بها البلاد إذ تحدث فيها بوضوح عن مرحلة وصفها بـ"الخطيرة" في ظل الحشود العسكرية والتدريبات التي تجري خارج البلاد وهو توصيف يحمل في طياته تحذيراً من احتمالات تصعيد جديد يستهدف اليمن أرضاً وإنساناً وسيادةً.. ويؤكد أن البلاد لا تزال تعيش تحت وطأة مشروع عدواني لا يتوقف عند حدود المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى محاولات إعادة تفكيك البنية الوطنية والاجتماعية والسياسية للدولة.. ومن هنا جاء تشديده على ضرورة التماسك الداخلي بوصفه شرطاً وجودياً لمواجهة التحديات المقبلة إذ بدت دعوته إلى تعزيز الجبهة الداخلية أكثر من مجرد خطاب تعبوي بل تعبيراً عن قناعة بأن معركة اليمن القادمة لن تكون عسكرية فقط وإنما معركة وعي وصمود سياسي وتماسك وطني في مواجهة مشاريع التفتيت والاستنزاف.. وفي هذا السياق وضع أبوراس المؤتمر الشعبي العام في قلب معادلة الاستهداف.. مؤكداً أن المؤتمر كان ولا يزال هدفاً مباشراً للمؤامرات ومحاولات الإضعاف ليس باعتباره مجرد تنظيم سياسي بل لأنه يمثل ثقلاً جماهيرياً ووطنياً واسعاً يصعب تجاوزه أو احتواؤه.. ولذلك لم يتعامل مع ما يسمى بـ"تيار استعادة دور المؤتمر" بوصفه خلافاً تنظيمياً عادياً وإنما باعتباره امتداداً لمحاولات ضرب الحزب من الداخل وتشتيت قواه تحت عناوين وشعارات مضللة.. اللافت في الخطاب أن أبوراس لم يمنح تلك المحاولات حجماً سياسياً أكبر من حجمها الحقيقي، بل تعمد التقليل من تأثيرها كون القائمين عليها لا يمثلون إلا أنفسهم ومصالحهم الشخصية في رسالة أراد من خلالها سحب أي غطاء معنوي أو تنظيمي عن تلك التحركات والتأكيد أن المؤتمر الحقيقي هو ذلك الحاضر في مؤسساته الرسمية وقياداته الشرعية وقواعده الممتدة في المحافظات والمديريات والعزل والقرى.. وقد حملت هذه الجزئية من الخطاب بعداً تنظيمياً مهماً إذ أعاد أبوراس تثبيت مفهوم "الشرعية التنظيمية" داخل المؤتمر من خلال التأكيد أن الحزب محكوم بنظامه الداخلي ولوائحه التنظيمية وأن القيادة المنتخبة الموجودة في صنعاء هي الجهة المخولة بإدارة شؤونه والحفاظ على وحدته إلى حين تهيؤ الظروف المناسبة لعقد مؤتمر عام وانتخابات تنظيمية جديدة.. وهنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره تأكيداً واضحاً يغلق الباب أمام أي مشاريع موازية تسعى إلى صناعة مراكز قرار بديلة أو خلق تمثيلات سياسية خارج الإطار التنظيمي المعترف به داخل التنظيم .. كما أنه حمل رسالة مباشرة إلى الخارج ـ خصوصاً السفارات والمنظمات الدولية ـ بعدم التعامل مع أي شخصيات أو كيانات تدّعي تمثيل المؤتمر خارج مؤسساته الرسمية.. وفي البعد السياسي الأوسع عكست الكلمة حرص قيادة المؤتمر على إعادة تقديم الحزب بوصفه جزءاً أصيلاً من معركة الدفاع عن اليمن ووحدته وسيادته وليس مجرد طرف سياسي منشغل بخلافاته الداخلية.. ولذلك كرر أبوراس أكثر من مرة أن المؤامرة على المؤتمر هي جزء من المؤامرة على الوطن في ربط لمصير الحزب بالمشروع الوطني الجامع والتأكيد أن استهداف المؤتمر لا يهدف فقط إلى إضعاف حزب سياسي بل إلى تفكيك أحد أهم أعمدة التوازن الوطني والاجتماعي في اليمن.. كما حمل الخطاب رسائل طمأنة داخلية إلى قواعد المؤتمر وقياداته حين أشاد بمواقف فروع الحزب في المحافظات والجامعات والخارج.. مثمناً البيانات والمواقف التي صدرت دفاعاً عن وحدة المؤتمر ومؤسساته.. وهي إشادة تعكس رغبة القيادة في تعزيز حالة الاصطفاف التنظيمي والتأكيد أن المؤتمر قادر على الحفاظ على تماسكه رغم حجم الضغوط والتحديات.. وفي المحصلة يمكن القول إن كلمة رئيس المؤتمر الشعبي العام مثلت خطاباً سياسياً وتنظيمياً متماسكاً أعاد من خلاله أبوراس رسم حدود المعركة المقبلة كما يراها المؤتمر .. أي أنها معركة دفاع عن الوطن في مواجهة مشاريع التقسيم والاستهداف الخارجي، ومعركة موازية لحماية التنظيم من محاولات الاختراق والتفكيك وإعادة تشكيله وفق أجندات لا تخدم المؤتمر ولا اليمن.. لقد بدا واضحاً أن المؤتمر من خلال هذه الكلمة يؤكد معادلة واضحة عنوانها أن وحدة الحزب جزء من وحدة الوطن.. وأن الحفاظ على مؤسساته وتماسكه التنظيمي ليس شأناً حزبياً ضيقاً بل ضرورة وطنية في ظل مرحلة هي الأخطر في تاريخ اليمن الحديث. |

