المؤتمر نت -

أ.د عبدالعزيز صالح بن حبتور -
المُفكِّرُ أنيس حسن يحيى أيقونةُ السِّياسةِ الحزبيَّةِ بجنُوبِ اليمنِ في ذمَّةِ اللهِ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً " صدقَ اللهُ العظيمُ.، وقالَ اللهُ في مُحكمِ كتابِهِ الكريمِ " ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)) صدقَ اللهُ العظيمُ.
فقدتْ عَدَن، وفقدَ اليمنُ العظيمُ واحداً من بينِ أهمِّ وأعظمِ، وأجملِ سياسييها الكِبارِ الذينَ لعبوا دوراً مُهمَّاً في جميعِ مراحلِها، ومُنعطفاتِها، وتحوُّلاتِها الجذريَّةِ على مدى سبعةِ عُقودٍ زمنيَّةٍ كانتْ مليئةً ومزهُوَّةً بالنشاطِ الحزبيّ السياسيّ، والثقافيّ، والفكريّ، والإداريّ، والبرلمانيّ النَّاجزِ النَّاجحِ بكلِّ معاييرِ النَّجاحِ المُتعارفِ عليها في مقاييسِ الإنجازِ الشَّخصيّ والعامّ.
رحلَ فقيدُنا الغالي العزيزُ من هذهِ الدُّنيا الفانيةِ في يومِ الأحدِ المُوافقِ 31 / مايو / 2026 م ، وأسلمَ رُوحَهُ الطَّاهرةَ للبارئ ِعزَّ وجلَّ في مدينةِ القاهرةِ، عاصمةِ جُمهوريَّةِ مِصرَ العربيَّةِ عن عُمرٍ ناهزَ 91 عاماً قضاها في خدمةِ اليمنِ العظيمِ، وشعبِهِ الصَّابرِ المُحتسِبِ.
تعودُ بي الذاكرةُ الشَّخصيَّةُ في التعرُّفِ إلى شخصيَّةِ المُناضِلِ والمُفكِّرِ، والفيلسُوفِ السِّياسيّ العُروبيّ / أنيس حسن يحيى أبي باسل مُنذُ النِّصفِ الثاني من مرحلةِ سبعينيَّاتِ القرنِ العشرينَ ، حينما كنتُ طالباً في كلِّيَّةِ الاقتصادِ والإدارةِ - جامعةِ عَدَن، وهو كانَ شخصيَّةً سياسيَّةً قياديَّةً حزبيَّةً كبيرةً جدَّاً ، وقد اقتربتُ كثيراً من شخصيَّتِهِ الإنسانيَّةِ والسِّياسيَّةِ بحُكمِ ارتباطِنا العائليّ الأسريّ مع أسرتِهِ الفاضلةِ بالمُصاهرةِ المُباركةِ من أسرتِهِ الكريمةِ.
أنهى فقيدُنا العزيزُ دراساتِهِ الاقتصاديَّةَ والاجتماعيَّةَ في جامعةِ القاهرةِ في مِصرَ ، وهُناك تفجَّرتْ قدراتُهُ القياديَّةُ الحزبيَّةُ، وساهمَ في زمنِ الاستعمارِ البريطانيّ لجنوبِ اليمنِ في تأسيسِ حزبِ البعثِ العربيّ الاشتراكيّ - فرعِ جنوبِ اليمنِ الذي تطوَّرَ فيما بعدُ إلى حزبِ الطليعةِ الشعبيَّةِ في جنوبِ الوطنِ وأصبحَ أمينَها العامَّ.
بعدَ الاستقلالِ الوطنيِّ في 30 / نوفمبر / 1967 م لعدنَ وجنُوبِ الوطنِ وتحديداً بعدَ ما سُمِّيَ الخُطوةَ التصحيحيَّة لمسارِ ( الرِّفاقِ ) في التنظيمِ السِّياسيّ للجبهةِ القوميَّةِ في 22 / يونيو / 1969 م ، ذلك التنظيمُ الجبهويُّ قد قادَ بمُفردهِ جميعَ الإجراءاتِ الثوريَّةِ، والتحوُّلاتِ الرَّاديكاليَّةِ السِّياسيَّةِ والاقتصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ في ذلك البلدِ الفقيرِ ، المُسمَّى اليمنَ الجنوبيَّةَ الديمقراطيَّةَ ، في هذهِ اللحظاتِ التاريخيَّةِ ، ورُبَّما للضَّرورةِ المرحليَّةِ تمَّ إشراكُ عددٍ من فصائلِ العملِ السِّياسيّ والوطنيّ في جنوبِ الوطنِ ، ومن هُنا تمَّ إشراكُ حزبِ الطليعةِ الشَّعبيَّةِ، وأمينِها العامّ الأستاذِ / أنيس حسن يحيى، وعددٍ محدُودٍ من رفاقِهِ في الحُكوماتِ التي قادَها تنظيمُ الجبهةِ القوميَّةِ.
وإليكم أبرزُ المواقعِ الوزاريَّةِ والحزبيَّةِ، والبرلمانيَّةِ التي شغلَها الأستاذُ أنيس حسن يحيى على النَّحوِ الآتي:
* شغلَ منصبَ وزيرِ الاقتصادِ والصِّناعةِ (1969 - 1973)
* شغلَ منصبَ وزيرِ المُواصلاتِ (1973 - 1975)
* شغلَ منصبَ وزيرِ الثَّروةِ السَّمكيَّةِ (1979)
* شغلَ منصبَ نائبِ رئيسِ الوزراءِ، ووزيرِ الثَّروةِ السَّمكيَّةِ (1980 - 1986)
كما شغلَ عدداً من المواقعِ التنظيميَّةِ، والحزبيَّةِ في مسيرةِ حياتِهِ السِّياسيَّةِ، منها :

• شغلَ موقعَ مُؤسِّسِ حزبِ الطليعةِ الشَّعبيَّةِ ( حزبِ البعثِ العربيّ الاشتراكيّ ) وشغلَ منصبَ الأمينِ العامِّ بهِ.
•كانَ شريكاً فاعلاً في التوقيعِ على اتِّفاقيَّةِ 5 / فبراير / 1975م لتوحيدِ فصائلِ العملِ الوطنيّ في جنُوبِ الوطنِ والذي نتجَ منهُ تأسيسُ التنظيمِ السِّياسيِّ المُوحَّدِ للجبهةِ القوميَّةِ، وشغلَ فيهِ منصبَ عُضوِ المكتبِ السِّياسيّ للجبهةِ.
•ساهمَ في تأسيسِ الحزبِ الاشتراكيّ اليمنيّ في العامِ 1978م، وشغلَ منصبَ عُضوِ المكتبِ السِّياسيّ فيهِ.
• شغلَ منصبَ عُضوِ المكتبِ السِّياسيّ للحزبِ الاشتراكيّ، وسكرتاريَّةِ الشُّؤونِ الاقتصاديَّةِ في سكرتاريَّةِ الحزبِ.
وبعدَ مرحلةِ الوحدةِ اليمنيَّةِ المُباركةِ شغلَ المواقعَ النيابيَّةَ الآتيةَ:
* شغلَ منصبَ عُضوِ المكتبِ السِّياسيّ للحزبِ الاشتراكيّ اليمنيّ.
* شغلَ منصبَ رئيسِ الكُتلةِ البرلمانيَّةِ للحزبِ الاشتراكيّ اليمنيّ في مجلسِ النوَّابِ.
سيلاحظُ القارئُ اللبيبُ بأنَّ الفَقيْدَ الغاليَ الأستاذَ / أنيس حسن يحيى "أبا باسل" قد شغلَ العديدَ من المواقعِ الحزبيَّةِ، والوزاريَّةِ، والبرلمانيَّةِ ، وعاشَ حياتَهُ السِّياسيَّةَ، والثقافيَّةَ، والفِكريَّةَ، والاجتماعيَّةَ بتواضعٍ جَمٍّ ، وسارَ في ركبِ مسيرةِ السِّياسيينَ، وهو كمن يسيرُ في طريقٍ سياسيٍّ مليءٍ بالأشواكِ، والعقباتِ، والمطبَّاتِ، لكنَّهُ تجنَّبَها بذكاءٍ سياسيٍّ عدنيٍّ مُتمدِّنٍ عصريٍّ ، تجنَّبَ كلَّ المزالقِ المُؤديةِ إلى طريقِ الرِّفاقِ من زُملائِهِ في قيادةِ التنظيمِ السِّياسيّ للجبهةِ القوميَّةِ الذينَ وقعوا في أخطاءٍ سياسيَّةٍ فادحةٍ، وصُولاً إلى حدَّ ارتكابِ جرائمِ سفكِ دماءِ رفاقِ المسيرةِ الواحدةِ ، ووقعوا في جريمةِ الوقوعِ في العيبِ الأسودِ، وصُنْعِ المكائدِ القاتلةِ لبعضِهم البعضِ ، وهكذا سيُسجِّلُ التاريخُ - بدونِ رحمةٍ - تلكَ الأخطاءَ الفادحةَ التي وقعوا فيها.
الأستاذُ أنيس حسن يحيى - رحمه اللهِ، وأسكنَهُ فسيحَ جنَّاتِهِ - ، كانَ بالرَّغمِ من أنَّهُ شريكٌ فاعِلٌ في حُضورِ اجتماعاتِ المكتبِ السِّياسيّ وسكرتاريَّةِ اللجنةِ المركزيَّةِ لتنظيمِ الجبهةِ القوميَّةِ، وبعدَها للحزبِ الاشتراكيّ اليمنيّ إلا أنَّهُ تجنَّبَ تلكَ المطبَّاتِ، والمُؤامراتِ الخسيسةَ هو ورفيقاهُ الأستاذُ / عبدالله عبد الرَّزاق باذيب، وأخواهُ / علي باذيب وأبو بكر باذيب.. هؤلاءِ كانوا خارجَ اللُّعبةِ الحزبيَّةِ القاتلةِ للرِّفاقِ في قيادةِ الجبهةِ القوميَّةِ الذينَ كانوا يُحيكونَ، ويُصفُّونَ بعضَهم البعضَ نتاجَ حِساباتٍ خاصَّةٍ، وشخصيَّةٍ بهم .
تلكَ الاجتماعاتُ الدَّوريَّةُ، والاستثنائيَّةُ للتنظيمِ والحزبِ كانتْ عبارةً عن مطابخَ رهيبةٍ، ومُرعبةٍ، ونتنةٍ تُطبخُ، وتُحاكُ فيها مُعظمُ المُؤامراتِ القذرةِ تُجاهَ المُجتمعِ اليمنيّ كُلِّهِ ، وتُجاهَ بعضِهم البعضِ من الرِّفاقِ ، حيثُ تُحاكُ، وتُرسمُ مُؤامرةُ ذبحِ الرِّفاقِ لبعضِهم البعضِ، والإبعادُ، والإخفاءُ القسريُّ، وخلافُهُ من مشاريعِهمُ التَّصفويَّةِ ، وللتَّذكيرِ هُنا نوردُ أمثلةً عابرةً للتاريخِ فحسبُ ، وقد أصبحتْ في ذمَّةِ التاريخِ ، مثالُ التآمُرِ على الرَّئيسِ / قحطان الشَّعبيّ رحمةُ اللهِ عليهِ ( 1969 م )، ووضعُهُ في السِّجنِ المُؤبَّدِ حتى لقي ربَّهُ ، وكذلكَ في استشهادِ المُناضلِ/ فيصل عبد اللطيف الشَّعبيّ ، والشَّهيدِ / علي عبد الملك بانافع، وكذلكَ الشَّهيدِ مُحمَّد صالح عولقيّ ( 1973م )، ورفاقِهِ شُهداءِ حادثِ تفجيرِ الطَّائرةِ الدُّبلوماسيَّةِ المُتَّجهةِ إلى م/ حضرموت ، والتآمُرُ على الشَّهيدِ/ سالم رُبيِّع علي ( سالمين )، وقتلُهُ مع رفاقِهِ جاعم صالح، وعلي سالم الأعور عامَ ( 1978م ) ، وإعدامُ كلٍّ من الشَّهيدينِ / مُحمَّد صالح مُطيع - وزيرِ الخارجيَّةِ وعُضو المكتبِ السِّياسيّ ، وحُسين قُماطة الكلدي - قائد المليشيا الشَّعبيَّةِ ( 1981م ) وكانتْ كارثةُ 13 يناير 1986م هي كارثةُ الكوارثِ على حالِ وواقعِ الحزبِ الاشتراكيّ اليمنيّ، والمُجتمعِ اليمنيّ في جُمهوريَّةِ اليمنِ الدُّيمقراطيَّةِ الشَّعبيَّةِ الذي ذهبَ ضحيتَها كوكبةٌ من أعضاءِ المكتبِ السِّياسيّ، واللجنةِ المركزيَّةِ، وطابورٌ طويلٌ من أعزِّ الرِّفاقِ وأفضلِهمُ المعروفينَ لنا ، مُروراً بوحدةِ الأرضِ والإنسانِ وتحقيقِ الوحدةِ اليمنيَّةِ المُباركةِ في العامِ (1990م)، مُروراً على انقلابِ قياداتِ الحزبِ الاشتراكيّ اليمنيّ بقيادةِ الرَّفيقِ / علي سالم البيض، وعددٍ من رفاقِهِ الانقلابيِّين، الذينَ انقلبوا على دولةِ ودستورِ الوحدةِ اليمنيَّةِ، وصُولاً إلى هزيمتِهم، وهُروبِهم فُرادى وجماعاتٍ في 7 / يوليو / 1994م .
هذه لمحةٌ عامَّةٌ وسرديَّةٌ مُكثَّفةٌ من سُلوكِ، وتصرُّفاتِ القياداتِ المُتنفِّذةِ في التنظيمِ السِّياسيّ للجبهةِ القوميَّةِ التي حكمتْ، وعبثتْ، وعاثتْ في الأرضِ فساداً، وقتلاً، وإرهاباً، وتشريداً، وتنكيلاً باليمنيينَ الجنوبيينَ طيلةَ فترةِ حُكمِهمُ العبثيِّ البائسِ في جنوبِ الوطنِ في زمنِ التَّشطيرِ المشؤومِ.
وهنا نودُّ أن نُذكِّرَ القارئَ الكريمَ بأبرزِ وأهمِّ مُميِّزاتِ شخصيَّةِ الأستاذِ / أنيس وتكوينِهِ، وتأهيلِهِ المدنيِّ:
* يمتازُ الأستاذُ أنيس، ويتفرَّدُ عن غيرِهِ مِنَ القياداتِ السِّياسيَّةِ التي حكمتْ جنوبَ اليمنِ بأنَّهُ شخصيَّةٌ عدنيَّةٌ بحتةٌ مصبُوغةٌ بمدنيَّةٍ عصريَّةٍ
ظاهرةٌ للعيانِ، يُدركُها القريبُ والبعيدُ، وكذلك يمتازُ بالصِّفةِ المُلازمةِ لهُ كإنسانٍ مُسالمٍ جدَّاً جدَّاً جدَّاً، وضدَّ كلِّ أشكالِ العُنفِ الجسديِّ والنفسيِّ وخلافِهِ.
يمتلكُ ثقافةً أدبيَّةً وعِلميَّةً وإنسانيَّةً، وتنظيميَّةً مدنيَّةً واسعةً وعميقةً، وثراءً لا حُدودَ لهُ في المعرفةِ الفِكريَّةِ والتاريخيَّةِ، والفلسفيَّةِ، ندرَ أن تلمسَها، أو تشعرَ بها كمُواطنٍ أو حتى ضمنَ جوقةِ عضويَّةِ الحزبِ، عن غيرِهِ من قياداتِ الحزبِ الاشتراكيّ اليمنيّ يومَ كانوا يحكمُونَ جنوبَ الوطنِ في زمنٍ ماضٍ بالحديد والنَّار.
يكتنزُ - في ذاكرتِهِ، وعقلِهِ - فيضاً هائلاً، بل بدُونِ حُدودٍ لمعلوماتٍ عِلميَّةٍ، وسياسيَّةٍ، وتنظيميَّةٍ، وثقافيَّةٍ، وحينَما يستمعُ إليهِ المُستمعُ أيَّاً كانَ، وكأنَّهُ يستمعُ إليهِ وهوَ يقرأُ سرديَّةً روائيَّةً جاذبةً لا نهائيَّةً يستقرئُها من ملفَّاتٍ موضُوعةٍ، ومرصُوصةٍ أمامَهُ لشدَّةِ ترتيبِها، وتناسقِها، وفهرستِها الأكاديميَّةِ والمنهجيَّةِ، مع العلمِ بأنَّهُ كاتبٌ سياسيٌّ حصيفٌ في مجالِهِ وتخصُّصِهِ، وهو مُؤلِّفٌ للعديدِ من الكُتبِ، والبُحوثِ الأكاديميَّةِ في المجالِ الاقتصاديِّ.
حينما تستمعُ إليهِ، وهو يتحدَّثُ بلغتِهِ الرَّاقيةِ، ومُفرداتِهِ الثريَّةِ العميقةِ، وبصوتِهِ الجهوريّ الرَّصينِ، يتحدَّثُ عن واقعةٍ ما من الوقائعِ، وهي لا شكَّ بأنَّها أحداثٌ كبيرةٌ، وهائلةٌ، وشائكةٌ قد عاشَها، لكنَّهُ يتسلسلُ في سردِها كأستاذٍ وأكاديميٍّ مُحترفٍ، يتفنَّنُ في انتقاءِ عباراتِهِ، ومُفرداتِهِ، ويتحكَّمُ بنبراتِ صوتِهِ الأخَّاذِ، وهنا يُضفي على المشهدِ - في تلكَ اللحظاتِ المَهيبَةِ - شيئاً من سحرِ الهَيبَةِ، والوقارِ والاحترامِ.
تشعرُ، وهو يعالجُ قضايا الأصدقاءِ، والمعارفِ وبقايا رفاقِهِ بإنَّهُ يجتهدُ اجتهاداً مُبالغاً فيهِ؛ كي يُحقِّقَ الحلَّ المُرْضِيَ لطالبِ تلكَ الخدمةِ المُحدَّدةِ في ملفِّ طلبِهِ، حتى تشعرَ أنَّهُ يصلُ حدَّ إرهاقِ ذاتِهِ، وجسمِهِ، وطاقتِهِ، وما زالَ يواصلُ إقناعَ هؤلاءِ الأقاربِ، والأصدقاءِ بهذا الحلِّ أو ذاكَ.
يمتلكُ نَفَساً، ورُوحاً إنسانيَّةً طاغيةً، وحانيةً مع كلِّ مَن يلجأُ إليهِ، وتجدُهُ، وهو يوجِّهُ سيلَ مداركِهِ، ومُفرداتِهِ، وحضُورِهِ إلى المُستمعِ المقصُود المُكلَّفِ بإقناعِهِ بالفِكرةِ عن طريقِ تسهيلِ تلكَ الفِكرةِ، وتحويلِها إلى فِكرةٍ جاذبةٍ.
يمتلكُ روحَ، الشَّجاعةِ وصفتِها الأدبيَّةِ، والبعيدةِ عن لغةِ العُنفِ الدَّمويِّ، وأسلوبِهِ المُقزِّزِ، فهوَ يكرهُ أسلُوبَ العُنفِ الذي كانَ سائداً للأسفِ في التعامُلِ حتى بينَ القياداتِ التي تُديرُ المُجتمعَ يومَذاك، وكانَ يُعارضُ بشدَّةٍ أيَّ أسلُوبٍ من أساليبِ العُنفِ الذي سادَ المُجتمعَ اليمنيَّ الجنُوبيَّ في مطلعِ السَّبعينيَّاتِ، فقد عارضَ بشدَّةٍ تلكَ المُمارساتِ الرَّاديكاليَّةِ الدَّمويَّةِ التي اتَّصفتْ بظاهرةِ العُنفِ الثَّوريِّ الذي سادَ بينَ أعوامِ 1970 - 1974م التي مُورِستْ فيها أساليبُ قهريَّةٌ بحقِّ الفلاحينَ وقِطاعِ المالِ والأعمالِ وحتى السَّياسيينَ من ذوي الفِكرِ المُخالفِ لفكرِ تيَّارِ: ( كلُّ الشَّعبِ قوميَّةٌ )، وغيرها من الأساليبِ الصَّادرةِ من قبلِ المُتنمِّرينَ المهووسينَ بثقافةِ العُنفِ الثَّوريِّ والفؤوسِ والبارودِ.
الخُلاصة:
لقد مَثَّلَ الفَقيْدُ الأستاذُ / أنيس حسن يحيى "أبو باسل" مدرسةً حزبيَّةً، وسياسيَّةً، وإنسانيَّةً، وفكريَّةً مُتكامِلةً ونافِعةً، كيفَ لا؟ وهو الذي تشبَّعَ بوعيٍ عميقٍ مِنَ الثَّقافةِ المدنيَّةِ الجميلةِ، والحضاريَّةِ لمدينةِ عَدَن السَّاحرةِ، ولأحيائِها، وشوارعِها المُشبَّعةِ برُوحِ الإنسانِ العدنيّ اليمنيّ الأصيلِ، وقد جمعَ - بإبداعٍ لا يُضاهى - بينَ مدنيَّةِ السُّلوكِ، والمُمارسةِ العدنيَّةِ الرَّاقيةِ التي تشبَّعَ بها، وتربَّى عليها، وبينَ خُشونةِ، وجلافةِ مُعتركِ السِّياسةِ برمَّتِها في بلدٍ كجنُوبِ اليمنِ، المُتعبِ والمحاصرِ من ( أشقائِهِ الأثرياءِ الأَعْرَاب )، وحاولَ ( الرِّفاقُ ) بناءَ تجربةٍ تنمويَّةٍ سياسيَّةٍ اجتماعيَّةٍ خاصَّةٍ، لم يستطعِ الواقعُ الاجتماعيُّ تحمُّلَها وهضمَها، ولم تستوعبْها الثَّقافةُ الاجتماعيَّةُ، والدِّينيَّةُ للمُجتمعِ اليمنيّ في جنُوبِ الوطنِ، تلكَ التَّجربةُ الغريبةُ التي سمَّاها هؤلاءِ الرِّفاقُ ومُنظِّرُوهُم: ( تجربةَ الثَّورةِ الوطنيَّةِ الدِّيمقراطيَّةِ في اليمنِ الدِّيمقراطيَّةِ ).
في الخِتامِ نبتهلُ إلى اللهِ جلَّ في عُلاهُ بأن يتغمَّدَ روحَ فقيدِنا العزيزِ أنيسٍ وجسدَه بواسعِ رحمتِهِ، وأن يُلهِمَ أهلَهُ، وذويهِ وأسرتَهُ، وطلَّابَهُ، ومُريديهِ، وأحبابَهُ، ورفاقَهُ الصَّبرَ والسُّلوانَ، إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعُونَ.

{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيْمٌ}

* عُضوُ المجلسِ السَّياسيّ الأعلى في الجُمهوريَّةِ اليمنيَّةِ / صنعاءَ.
* نائبُ رئيسِ المُؤتمرِ الشَّعبيّ العامّ.
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 14-يونيو-2026 الساعة: 01:41 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/news/185990.htm