![]() |
عقد على جحيم القاعة الكبرى: شهادة حيّ على أبشع جرائم العصر في الثامن من أكتوبر لعام 2016، تجمدت أنفاس العاصمة صنعاء، وتحولت أجواء العزاء في "القاعة الكبرى" إلى ساحة حرب وموت مروع. اليوم، ومع إكمال العقد كاملًا على تلك الفاجعة المروعة (عشرة أعوام بمرارتها وقسوتها)، لا يزال صدى الغارة المزدوجة والغادرة يحفر في الذاكرة الوطنية كواحدة من أبشع الجرائم المرتكبة بحق المدنيين العزّل. هذه السطور ليست مجرد تاريخ يُدون، بل هي شهادة حية أخطها بدمي ووجعي كشاهد عيان، وواحد ممن كتب الله لهم النجاة من تلك المحرقة؛ ساردًا تفاصيل سبع دقائق فاصلة بين الحياة والموت، تلتها رحلة علاج طويلة ختت جراح الجسد وأيقظت ألمًا لا ينام في الذاكرة. حضرت واجب العزاء لآل الرويشان الكرام في وفاة النقيب علي بن علي الرويشان. ومع حلول وقت صلاة العصر، توجهت إلى مصلى القاعة لأداء الفريضة. في الركعة الأخيرة، لم نسمع سوى انفجار عنيف هائل أدركت معه أن القاعة تعرضت لغارة جوية مفاجئة بلا إنذار. في ومضة عين، تحول المكان المكتظ بالمعزين إلى كتلة متوهجة من النيران، والركام، والرماد، وتداخلت صرخات النجاة بأنين المصابين وسط عتمة خانقة. عشت سبع دقائق مرعبة في صراع قاتل بين البقاء والموت تحت أطنان من الأسمنت والحديد. وما إن تجلت هول الفاجعة بالضربة الثانية التي استهدفت المسعفين بوحشية مطلقة، حتى أيقنت أننا أمام إرهاب منظم يتجاوز كل القواعد والقوانين البشرية. بفضل من الله، كُتبت لي النجاة والخروج من تحت الأنقاض، لكنني خرجت بجسد مثقل بتبعات الكارثة: طنين والم دائم في الأذن يذكرني بصوت الانفجار،حتى اللحظه و جروح وكدمات غائرة تروي حكاية العراك مع الموت، واختناق مطبق يترجم غصّة الفراق. لم تنتهِ المأساة بالخروج من الركام، بل بدأت فصلاً جديداً ومؤلماً من المعاناة وسط حالة طوارئ قصوى وفوضى عارمة. نُقلت بداية إلى المستشفى الألماني، الذي كان يغصّ بمئات الجرحى والمصابين في مشاهد تفطر القلوب، حيث قُدّمت الإسعافات الأولية وسط نقص حاد في الأوكسجين. لاحقاً، جرى تحويلي إلى المستشفى الجمهوري، وهناك شهدت ملحمة إنسانية فريدة؛ إذ خاض الكادر الطبي معركة ضارية لإنقاذ الأرواح رغم شح الإمكانيات والضغط الهائل. كل سرير وكل ممر في تلك الليلة كان يروي حكاية صمود لحيّ يصارع الموت، أو شهيد ارتقى طاهراً. وفي تلك اللحظات الخاطفة، فقدتُ أصدقاءً أعزاءً كنت أتحدث إليهم قبل دقائق معدودة، لترتقي أرواحهم الطاهرة إلى بارئها: إبراهيم مالك شجاع الدين ياسر عبده علي التويتي محمد علي بركات (رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جناته) أرقام فادحة وجريمة لا تسقط بالتقادم لم تكن مجزرة القاعة الكبرى خطأً عابراً، بل جريمة حرب مكتملة الأركان استهدفت مدنيين عزّلاً بدم بارد. راح ضحيتها أكثر من مائة وخمسين شهيداً وأكثر من ستمائة جريح، لا تزال آلام جراحهم وندوبها مصدر معاناة شديدة لهم حتى اليوم. والأكثر مرارة هو إقرار تحالف العدوان بقيادة السعودية رسمياً بارتكاب هذه الجريمة النكراء – وهو إقرار يدينهم ولا يعفيهم – ومع ذلك، ظل الإفلات من العقاب هو السائد، في ظل صمت دولي مخزٍ وعجز تام للمنظمات الأممية عن ملاحقة المجرمين وتقديمهم للعدالة. ستظل هذه المحرقة البشعة محفورة في ذاكرة الأجيال، وسيبقى ثأرها قائماً مهما طال الزمن أو قصر؛ فدماء الأبرياء والجراح التي نحملها تؤكد أن الحقيقة باقية لا يمكن طمسها تحت أي ركام من الأعذار أو الأكاذيب. وسيتولى أبناء وأحفاد الشهداء والجرحى ورفاقهم الأخذ بالثأر عاجلاً أم آجلاً، من كل من قصف، أو تسبب، أو قدم الإحداثيات. في هذه الذكرى المؤلمة، نرفع الأكف إجلالاً لروح كل شهيد سقط في القاعة الكبرى، ونتوجه بتحية إجلال لجميع رفاق الألم والصمود من الجرحى، معاهدين الشهداء بأننا لن ننسى ولن نغفر، وسنظل نحمل هذه الأمانة حتى يتحقق القصاص العادل، فصوت العدالة أبداً أعلـى من دوي الانفجار. *سكرتير رئيس المؤتمر |

