المؤتمر نت - صحيفة الحياة
الحياة - السير سيريل تاونسند -
أوروبا في فوضى
أغرقت الاستفتاءات التي حصلت في فرنسا والمانيا الاتحاد الأوروبي في أعمق أزمة يواجهها منذ عقود. وبعبارات أخرى، فإنّ الاتحاد الاوروبي المؤلف من 25 دولة والذي يعدّ منارة للديمقراطية في أوروبا قادر بشكل كبير على مواصلة مسيرته بعد فترة من التفكير الهادىء. فما يحتاجه فعلاً هو قيادة قوية ومدركة، كما يتحتم على المملكة المتحدة أن تسحب كافة اعتراضاتها الديبلوماسية عند تسلّمها مقاليد رئاسة الاتحاد الاوروبي في أول تموز(يوليو) المقبل.
لطالما كرهتُ الاستفتاءات، ليس لأن هتلر وموسوليني استخدماها في الماضي، فهي لا تمثّل سوى لقطات من الرأي العام في يوم محدد، ولكن مما لا شك فيه أن أشياء أكثر أهميّة تشغل بال المواطنين وهذا ما يؤثر في النتائج التي يمكن أن تفرق بين البرلمان والشعب، وتوسع الهوة بينهما في أسوأ الحالات.
54 في المئة من الفرنسيين صوتوا - «لا» للدستور الأوروبي المقترح. وأظهر التحليل السياسي لهذا الرفض أن الفرنسيين إنّما صوتوا ضدّ الاتحاد الأوروبي والسياسات الاقتصاديّة للسوق الحرّة وتوسيع الاتحاد، خصوصاً انضمام تركيا اليه، وضدّ رئيسهم جاك شيراك الذي أخفق وفقد شعبيته.
62 في المئة من الالمان قالوا «لا». اعترضوا بوضوح على كون بلادهم هي المساهم الأكبر في موازنة الاتحاد الاوروبي استناداً الى ما يدفعه كل ألماني، وعبّروا عن استيائهم من الهيمنة السياسية لأكبر أعضاء الاتحاد ولم يحبّذوا فكرة انضمام تركيا.
ويدل هذا على أن المئتي صفحة من الدستور (في نسخته الفرنسية) لم تكن سبب الرفض. لكن الناخبين شعروا بأنّها الفرصة الملائمة للتعبير عن استيائهم وعدم تأييدهم الاتحاد الاوروبي ومستقبله المتوقع فقاموا باقتناصها. ويستوقف المرء الاختلاف الكبير القائم بين تعديل البرلمان للدستور ورأي الناخبين، فهي أحداث مختلفة ومتناقضة تماماً.
لطالما اعتُبر أن انشاء دستور موحد لخمسة وعشرين بلداً حراً ومستقلاً - وراء غالبيّتها مئات السنين من التاريخ السياسي والديبلوماسي - سيكون تحدياً خطيراً. أما اللجنة التي أسسها الاتحاد الاوروبي في عهد رئيس فرنسي سابق لوضع مسودة الدستور فبدأت بمستند جاء غير كافٍ وأقلّ من التوقعات. وحصل ما لا يمكن تجنبه لأن البلدان راحت تدافع عن قضاياها الخاصة وأعاد المحامون الدوليون كتابة بنود كثيرة بلغة قانونيّة يصعب على العامة فهمها.
على المدى الطويل قمت بتأييد الاتحاد الاوروبي وعضويّة بريطانيا الثمينة فيه، ولا أصدّق للحظة بأنّ الاتحاد سيتخلّى عن دوره السياسي استجابة لدعوات المشككين بأوروبا ويتحوّل الى منطقة للتجارة الحرّة فقط. دعونا ننظر الى اتحاد يرفع من دوره السياسي ومكانته الشاملة في عالمنا المضطرب. فلقد شكّلت اعادة توحيد اوروبا الشرقيّة مع عدد من البلدان المشاركة في اتفاقية فرصوفيا انجازاً باهراً، كما يعمل العديد من الأعضاء الجدد على رفع مستوى الليبيراليّة ضمن الاتحاد الاوروبي.
مما لا شك فيه أن الاتحاد الأوروبي اقترف الأخطاء. فالسياسة الزراعية اتصفت بالتبذير الشديد ويجب تحسين المحاسبة مع المفوضية بأسرع وقت. كما اعتبر الاتحاد بيروقراطياً وبعيداً عن نسج العلاقات مع الشعوب، وشعر كثيرون بأنه يتغير سريعاً لمصلحته الشخصية تاركاً العديد من مؤيديه وراءه. وتعلو المطالبات للتقليل من ذلك واعتماد سياسة أفضل لجذب الأكثرية.
تملك المملكة المتحدة فرصة ضعيفة لاعادة إطلاق ما يسميه بعضهم «المشروع الأوروبي» بعد الأول من تموز(يوليو) المقبل. وحتى الآن، تنهمك وزارة الخارجية البريطانية في استشارة الدول الأعضاء الأربع والعشرين الآخرين وتحاول تحديد أرضية مشتركة وهذا ما أشك في حصوله. وأقترح أن تكون نقطة الانطلاق بالاعتراف بأن الدستور المقترح لاقى حتفه بعدما رفضه بوضوح اثنان من الأعضاء المؤسسين للاتحاد الأوروبي. فلا جدوى من استمرار التأمّل في محاولة تمريره بالقوة عبر جمهور الناخبين الذين يصعدون رفضهم اياه. وفي الماضي، أعدّت ايرلندا استفتاءً ثانياً حول علاقاتها مع الاتحاد الاوروبي لإبطال نتائج الاستفتاء الأول التي اتّسمت بالرفض. وستقع المتاعب إذا دعونا فرنسا والمانيا لفعل شيء مماثل.
ربما يسود حالياً اتجاه لالغاء رئاسة الستة أشهر. فهذه الفكرة لم تكن سيئة في الايام الماضية ولكن لم يعد هذا عملياً مع وجود 25 دولة. وعلى غرار ما قاله ديبلوماسي بريطاني رفيع المستوى أخيراً بأنه ليس من الممكن الطلب من الرئيس الأميركي الذهاب للتشاور مع رئيس وزراء مالطا على خلفيّة مشكلة مع الاتحاد الأوروبي.
حقيقة، لم تعد عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، والتي حظيت بدعم قوي رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، تلقى ترحيباً حالياً. كما انها لا تلقى شعبية في أوساط عدد كبير من مواطني الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أخيراً أن الفوضى القائمة في أوروبا ستتحوّل الى الداخل وتستمر لعام أو أكثر، مما يعني بشكل عام أن السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس بوش ستضطلع بتأثير أكبر في الشرق الأوسط وغيره من المناطق.

كاتب وسياسي بريطاني.
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 06-أبريل-2025 الساعة: 12:40 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almotamar.net/news/22429.htm