ارتأى من صاغوا الوثيقتين "الإصلاحيتين" الصادرتين عن قمة الثماني بولاية جورجيا الأميركية ("الحياة" في 11 حزيران/ يونيو) ان يجمعوا في "مركّب" واحد المادة الأميركية الأولى, المعروفة بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" ("الحياة" في 13 شباط/ فبراير 2004), والردود الكثيرة والحادة عليها. وبين هذه الردود, المباشرة او غير المباشرة, المشروع الفرنسي - الألماني, "من اجل مشروع مستقبل مشترك مع الشرق الأوسط" ("الحياة" في 7 آذار/ مارس 2004), والبيانات الأخرى الصادرة عن لقاءات عربية, اولها بيان مكتبة الاسكندرية ("الحياة" في 31 آذار/ مارس 2004) وليس آخرها "وثيقة التطوير والتحديث والإصلاح" التي أقرتها القمة العربية بتونس ("الحياة" في 24 ايار/ مايو المنصرم). وبين البيانين العربيين بيانان عربيان كذلك هما "إعلان صنعاء" و"إعلان المجلس العربي للأعمال" بالعقبة. وعمدت "خطة مجموعة الثماني لدعم الإصلاح", وهي فصَّلت وثيقة اولى تمهيدية وُسِمت بـ"شراكة من اجل التقدم ومستقبل مشترك مع منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال افريقيا", الى الإعلان عن صفة التركيب هذه. فصدّرت بند "تعميق الديموقراطية وتوسيع المشاركة العامة في السياسة والحياة العامة", وبند "بناء مجتمع المعرفة لمكافحة الأمية وترقية الأنظمة التعليمية والتقنية", وهما ثلثا الوثيقة, بمقتطفات "عربية" من إعلان تونس وبيان مكتبة الاسكندرية... الى آخر البيانات الأربعة. فينبغي, على هذا, ان تصدر التوصيات والمقترحات عن المجتمعات نفسها, وتتبدد شبهة الإملاء او حتى "التبشير" بالديموقراطية, على ما غمز الرئيس الفرنسي من طرف غير خفي. وفي كل مرة ابتدأت فيها الوثيقة إدلاءً برأي او مشورة, احصت من تتوجه إليهم بالرأي او المشورة على الوجه والترتيب الآتيين: حكومات المنطقة, فأصحاب القرار الاقتصادي (رجال الأعمال او قادة الأعمال, ومن يمثلهم), فالمجتمع المدني. والترتيب قرينة على ان رؤساء دول (وليس "قادة") المجموعة لا يخاطبون مجتمعات الشرق الأوسط الكبير وشمال افريقيا و"شعوبهما" من وراء ظهر الحكومات والهيئات السياسية والقيادات. وكان من المآخذ التي أُخذت على النص الأميركي "الأصلي" تعاليه, وتجاهله الحكومات الرسمية الشرعية, ومخاطبته المجتمعات والشعوب من غير وسيط. و"تتواضع" المعالجة" وليس المخاطبة وحدها, اكثر حين الدخول في تفاصيل المشروعات المقترحة. فترجع الوثيقة عما أنكره الأوروبيون وبعض العرب والمسلمين على البيان الأميركي, في صيغته الأولى, من جمعه مقترِحي الإصلاح في كتلة واحدة, ومن يُطلب الإصلاح منهم كتلة ثانية في مقابل الأولى (على ما أوحت به إشارة اميركية الى عملية او مفاوضات هلسنكي بين شطري اوروبا والغرب في السبعينات). فتلجأ الصياغة الى تكرار عبارات مثل "الدول المهتمة" و"الدول الراغبة", وتقدم "الدول" على المرافق والقطاعات والهيئات غير الرسمية. وتبقى ماهية هذه معلقة, ولا تبت الوثيقة طرق او سبل الاتصال بها والتعاون معها. وتمعن مقترحات الوثيقة في شرذمة الروابطة المزمعة بين الثماني وبين بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا, وفي تبديد شبهة القطبية والتكتل. فتحصي إحصاء دقيقاً المبادرات الثنائية, او الثلاثية او الرباعية, التي بادر إليها متعاقدون ينتسبون إما الى الثماني, او الى هيئات دولية, او الى بلد او اكثر من بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا. ففي باب إنشاء "حوار لدعم الديموقراطية" (1- 5 من الخطة) "بالتعاون مع شركاء راغبين في المنطقة", من حكومات وهيئات مجتمع مدني, ينتهي البند الى ان تركيا واليمن وإيطاليا "سترعى... بشكل مشترك" الحوار المزمع, وتستضيف اللقاء الأول. وعلى المثال نفسه "يدعم الاتحاد الأوروبي اجراء انتخابات فلسطينية" بالخبراء الدوليين والنفقات, او تتولى اليابان بناء 30 مدرسة ابتدائية ومتوسطة في اليمن يبلغ عدد تلامذتها, حين إنجازها, 18 ألف طفل, هم جزء من 20 مليون شخص ينبغي تعليمهم "مهارات القراءة والكتابة" من اليوم الى العام 2015. وتدرج الخطة بنداً في بنودها برنامج تعاون بين فرنسا, وحدها, وبين سورية, وحدها, تطور فرنسا بموجبه الأنظمة الإدارية والقضائية السورية وتصلحها "استجابة الى طلب السلطات" السورية, على ما يخصص نص المادة القول. ومعروف ان المفاوضة على المشروع ترقى الى سنة تقريباً, ولا شأن لها حتى بالشراكة الأوروبية المتوسطية التي ينوه بها نص المقدمة, "شراكة من اجل التقدم". وهذا قرينة قوية على ترك بيان الثماني منطق القطبية والتكتل الثنائي تركاً باتاً وحاسماً. وتبرز المساومة بين النازعين, الأوروبي والأميركي, على النحو الذي ظهرا عليه في الوثيقتين الأولين, في المقدمة السياسية ("الشراكة") التي نصت على "مبادئ" الإصلاح. فتنص وثيقة "الشراكة" (5- ب) على ان "تسوية النزاعات المديدة... خصوصاً النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني, عنصر مهم للتقدم في المنطقة". والتسوية هذه جزء من "التزام المجتمع الدولي بالسلام والاستقرار" في دائرتي المنطقة. والنص على الربط بين الأمرين هو من "مكاسب" اوروبا "وغنائمها". ومن هذه الغنائم, من غير ريب, التنوية بالقرارات الدولية المعروفة 242 و338 و425. ويوازن الربط ويعدله التنبيه (5 - ت) على انه "في الوقت ذاته, يجب ألا تكون النزاعات الإقليمية عقبة بوجه الإصلاحات". وتسلم الوثيقة, نزولاً على اشتراط اوروبي وعربي, بأن "التغيير لا ينبغي ولا يمكن فرضه من الخارج". ويترتب على إبطال الفرض من خارج إقرار بـ"فرادة" الداخل وكثرته وتنوعه. وتستدرك الوثيقة (5- خ) على ما قد يبنى على الإبطال والإقرار من امتناع من الإصلاح بالقول: "ان التمايز, على رغم اهميته, يجب ألا يستغل لمنع الإصلاح" (والكلام على "منع الإصلاح", على وجه الاحتمال, عبارة حادة لا مثيل لها في الوثيقة المزدوجة, وهي من القرائن النادرة على ولادة الصياغة من مخاض لا ريب في عسر بعض مراحله ومفاوضاته). ويميل هذا الشطر مع الشكوك الأميركية في "تعمد" الحكومات المحلية درء الإصلاح بالمعضلات السياسية التي تنوء بها دول المشرقين, وترعى بعض الأطراف رعاية مصممة دوامَها على تعقيدها, وغرقها في خبط عشـوائها. ويتوج الموازنة هذه توقع دوام "دعم الإصلاح" و"التزامه" "مدى جيل" (5- د), على قول الثماني متواضعين. ومثل هذا التواضع يليق بأصحابه. فالموازنات كلها, على وجاهتها وحكمتها, لا تزوج زواجاً منجباً وولوداً شطري الأزمة العربية المتمادية منذ نيف وقرن: شطر الديموقراطية الليبرالية "العالمية" وشطر الوطنية او الهوية "القومية" والفريدة. فهما على طلاقهما منذ مشادات اواخر القرن التاسع عشر بين اهل التجديد وأهل الإحياء. |