الحروب في الإسلام.. دفاعية لا عدوانية على الرغم من سذاجة الاتهامات والأكاذيب التي يرددها خصوم الإسلام في الغرب، وتفنيد علماء الإسلام لها وكشف زيفها، فإن هذه الاتهامات الباطلة لا تزال متداولة في وسائل الإعلام الصهيونية والغربية في حملات منظمة لتشويه صورة الإسلام، وتبرير الحملات العدوانية التي تشنها قوى الغدر والعدوان على مجتمعات المسلمين في الوقت الراهن. من بين هذه الاتهامات وأكثرها شيوعا على ألسنة كثير من الكتاب والمفكرين ورجال الدين السياسيين في الغرب، الزعم بأن الإسلام دين عدواني يحث اتباعه على قتال غير المسلمين. المفكر الإسلامي الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية المصري يوضح أن سلوك هؤلاء الكتاب والمستشرقين ورجال الدين الغربيين ينبع من تعاملهم مع الإسلام من خلال موروث ثقافي خاطئ ولذلك يوجهون له الاتهامات جزافا من دون أن يكلفوا أنفسهم جهد التعرف إلى الإسلام من مصادره الحقيقية. ويضيف الدكتور زقزوق: الإسلام ليس في حاجة إلى من يدافع عنه ويرد هذه السهام الطائشة، لأنه واضح في تشريعاته ومقاصده، ولا يعرف مصطلح “الحرب المقدسة ضد غير المسلمين”، فهناك فقط حرب مشروعة وحرب غير مشروعة، والذين يتخذون من تشريع الإسلام للجهاد ذريعة لاتهامه بالعنف و”الإرهاب” وحث المسلمين على قتال غير المسلمين جهلة وحاقدون، فالجهاد معناه بذل الجهد، ومن هنا فهو ينقسم إلى قسمين، أحدهما جهاد النفس، وثانيهما الجهاد بمعنى الحرب المشروعة. ومن المعروف في الإسلام أن النوع الأول يطلق عليه الجهاد الأكبر الذي ينصب على محاربة الإنسان لنوازعه الشريرة، والتغلب على أهوائه وتصفية نفسه من كل الصفات الذميمة، وتطهيرها من الحقد والحسد والكراهية للآخرين، وبذلك يكون أهلا للقرب من الله سبحانه وتعالى. أما النوع الثاني من الجهاد فيطلق عليه الجهاد الأصغر بمعنى الحرب المشروعة. ويوضح الدكتور زقزوق أن جهاد المسلمين حرب دفاعية مشروعة هدفها رد العدوان فقط. وآيات القرآن واضحة في هذا الشأن، فقد أذن الله للمسلمين بقتال أعدائهم الذين اعتدوا عليهم في قول القرآن: "أذن للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا"، “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين". وهذا يبين لنا انه على الرغم من الإذن بالقتال دفاعا عن النفس، فإن القرآن يحذر من مجاوزة الحد في ذلك إلى الاعتداء، فالله لا يحب المعتدين، “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم". موقف مبدئي يوضح الدكتور زقزوق أن كراهية الإسلام للقتال وإراقة الدماء يعد موقفا مبدئيا، فالاستثناء هو القتال لرد العدوان، "كتب عليكم القتال وهو كره لكم”، فالبدء بالعدوان على الآخرين أمر مرفوض إسلاميا، وليس له سند في الإسلام. وإذا كان الجهاد يعني الحرب الدفاعية، فإن ذلك لا يقتصر على القتال، فقد يكون الجهاد بالمال أو بالنفس أو بالفكر أو بأي وسيلة أخرى تساعد على رد العدوان في كل أشكاله وصوره. والهدف هو حماية المجتمع الإسلامي والدفاع عنه وعن عقيدته التي يؤمن بها. وهذا حق مشروع لكل أمة من الأمم وتؤكده المواثيق الدولية في العصر الحديث. ويختتم د. زقزوق تفنيده الشبهات والأكاذيب، قائلا: إن ما يروجه كثير من المستشرقين وبعض الكتاب والمفكرين ورجال الدين في الغرب عن أن الإسلام دين يحضّ على العدوان والتطرف والتعصب والقتل و"الإرهاب” هو افتراء ظالم لا أساس له في تعاليم الإسلام، فالإسلام على النقيض من ذلك تماماً، انه دين الرحمة والسلام. حروب أخلاقية الداعية الدكتور يوسف القرضاوي يسخر من هؤلاء الحمقى الذين يتهمون الإسلام بالعنف والقسوة في التعامل مع غير المسلمين سواء في حالة السلم أو في حالة الحرب. ويؤكد أن الإسلام حتى في حروبه ونزاعاته المسلحة دفاعا عن الدين والوطن هو دين رحمة ورأفة، فسياسة الإسلام في الحرب لا تنفصل عن الأخلاق، فالحرب لا تعني إلغاء الشرف في الخصومة، والعدل في المعاملة، والإنسانية في القتال وما بعد القتال. ويضيف: إن الحرب ضرورة تفرضها طبيعة الاجتماع البشري، وطبيعة التدافع الواقع بين البشر الذي ذكره القرآن الكريم بقوله: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا". ولكن ضرورة الحرب في فلسفة الإسلام لا تعني الخضوع لغرائز الغضب والحميّة الجاهلية وإشباع نوازع الحقد والقسوة والأنانية. وإذا كان لابد من الحرب فلتكن حربا تضبطها الأخلاق، ولا تسيرها الشهوات. لتكن ضد الطغاة والمعتدين "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، “ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب". إذا كان لابد من الحرب فلتكن في سبيل الله وهو السبيل الذي تعلو به كلمة الحق والخير، لا في سبيل الطاغوت الذي تعلو به كلمة الشر والباطل، “الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا". وعن أخلاقيات الإسلام في الحروب، يقول الدكتور القرضاوي: إذا كان كثير من قادة الحروب وفلاسفة القوة لا يبالون أثناء الحرب بشيء إلا التنكيل بالعدو وتدميره، وإن أصاب هذا التنكيل من لا ناقة له في الحرب ولا جمل، فإن الإسلام يوصي بألا يُقتل إلا من يقاتِل، ويحذر من الغدر والتمثيل بالجثث وقطع الأشجار، وهدم المباني، وقتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان المنقطعين للعبادة والمزارعين المنقطعين لحرث الأرض. منهج الإسلام الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر يرفض هو الآخر الاتهامات العشوائية التي تردّد في الغرب. ويؤكد أن الشريعة الإسلامية لا تعرف العدوان والقهر والإرهاب، كما أنها لا تعرف الاستسلام والضعف، فهي تسالم من يسالمها ولا تأمر اتباعها إلا بقتال المعتدين على عقائدهم أو أوطانهم أو أعراضهم أو حريتهم أو كرامتهم أو أموالهم، ففي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد". ويوضح د. طنطاوي أن السلام في شريعة الإسلام هو الأصل، أما الحروب فهي حالات استثنائية لا تقرها شريعة الإسلام، إلا من اجل الدفاع عن الدين أو الوطن أو النفس أو المال أو العرض أو الحرية والكرامة الإنسانية ومن اجل نصرة المظلوم وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، ونشر السلام والأمان والاطمئنان والتعاون بين الناس على البر والتقوى. وهو مبدأ من المبادئ الأساسية التي أمر الإسلام اتباعه بنشرها في ربوع الأرض حتى يعم الرخاء والخير بين الجميع . وقد جعل القرآن الكريم السلام اسما من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته، فقال تعالى: “هو الله الذي لا اله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون"، وتحية المسلمين فيما بينهم السلام والتي تربط بين الإنسان وأخيه الإنسان هي السلام، بأن يقول المسلم لغيره متى قابله أو فارقه “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”. وفي الحديث الشريف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا". والمسلم مكلف وهو يناجي ربه في صلاته أن يسلم على نبيه، وعلى نفسه وعلى عباد الله الصالحين، فيقول: “السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين...” ثم يختتم صلاته وعبادته بقوله يمينا وشمالا: “السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله". ويضيف الدكتور طنطاوي: إن تحية الله تعالى لعباده الذين رضي عنهم يوم القيامة هي السلام والأمان، قال تعالى: “تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما”. وكذلك تحية الملائكة لأهل الجنة هي السلام، حيث يقولون لهم: "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار". وهكذا نجد أن السلام والأمان والاطمئنان من أصول شريعة الإسلام، بل إن لفظ الإسلام في ذاته مشتق من مادة السلام. الخليج الإماراتية |