![]() |
30 نوفمبر المجيد.. عنوان كرامة وبداية وعي جديد أيها الأحرار في شمال الوطن وجنوبه.. نقف اليوم أمام ذكرى وطنية خالدة، ذكرى يوم الـ30 من نوفمبر، يوم جلاء آخر جندي بريطاني عن أرض جنوبنا الغالي؛ يوم انتصرت فيه إرادة اليمني الحُر على أعتى قوة استعمارية في ذلك الزمن.. في هذا اليوم نستحضر تاريخًا من البطولة والفداء سطَّره أبناء الجنوب الأحرار، رجال الجبال والسواحل، الذين واجهوا المحتل البريطاني بالإيمان والإصرار، فكتبوا بدمائهم شهادة ميلاد اليمن المستقل، ورفعوا راية الحرية في سماء عدن وكل مدن الوطن.. لقد كان يوم الثلاثين من نوفمبر نهاية احتلال وبداية وعي جديد، عنوانه أن هذه الأرض لا تقبل الغُزاة ولا العملاء، وأن شعبها لا يساوم على كرامته، ولا يرضى أن يكون تابعًا أو رهينة لأي وصاية خارجية مهما كانت الشعارات.. وها نحن اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، نعيش واقعًا يعيد إلى الأذهان تلك المرحلة، إذ يحاول المحتلّ الجديد أن يعود بأقنعة مختلفة وأدوات محلية؛ تارةً باسم “التحرير”، وتارةً باسم “المشاريع الإنسانية”، وتارةً تحت شعارات زائفة عن “الانفصال أو الفيدرالية أو الإدارة الذاتية”.. لكن الحقيقة واضحة.. ما يجري اليوم في الجنوب ليس استقلالًا، بل استعماراً جديداً بأيْـدٍ يمنية خانت العهد وتنازلت عن السيادة.. إنهم عملاء للاحتلال، باعوا الميناء والساحل، وسكتوا عن نهب الثروات النفطية، وتواطأوا في تجويع الناس وترويعهم.. هؤلاء الذين ركبوا موجة “القضية الجنوبية” لا يمثّلون الجنوب ولا تاريخه ولا تضحيات أحراره، بل يمثّلون مشروعًا استعماريًا بواجهة محلية، يسعى إلى تمزيق اليمن واستنزاف خيراته.. لكن عليهم أن يعوا أن إرادة الشعب أقوى من الاحتلال وأدواته، وأن إرادة الشعب اليمني الحُر كانت وستبقى عصية على الكسر.. وعليهم أن يعودوا إلى صوت العقل والضمير، ويتذكروا جيدًا أن يوم 30 نوفمبر 1967م كان الحدث الذي لم يكن نصرًا جنوبيًا فقط، بل لحظة مفصلية عززت واحدية الثورة اليمنية وروحها المشترَكة بين الشمال والجنوب.. فخلال سنوات الكفاح المسلح ضد الاستعمار، قدَّم ثوار الشمال دعماً سياسياً ولوجيستياً وميدانياً لحركات التحرُّر في الجنوب، بينما كانت ثورة 14 أكتوبر في الجنوب تشكل سندًا معنويًا قويًا لثورة 26 سبتمبر في الشمال.. وقد مثَّلت خطوط التواصل بين الجبهتين، وتبادل السلاح والمقاتلين، وحواضن المناطق الحدودية، دليلًا عمليًا على أن الثورة كانت مشروعًا وطنيًا واحدًا رغم اختلاف الجغرافيا.. وجاء جلاء 30 نوفمبر ليؤكد أن نضال اليمنيين، شمالًا وجنوبًا، كان يسير باتجاه واحد: تحرير الإنسان والأرض وبناء دولة جمهورية حديثة.. ولذلك بقيت هذه المناسبة رمزًا لوحدة الهدف والمصير، وجزءًا من الذاكرة الوطنية المشترَكة التي تجسّد وحدة الإرادة اليمنية عبر التاريخ.. والحقيقة التي ينبغي أن نتذكرها دائمًا، ونأخذ منها العِبرة لمَنْ لا تزال الغشاوة تغطي عينيه، أن المحتل البريطاني حاول زرع الفرقة بين أبناء الوطن، لكنه فشل وخرج مذلولًا.. واليوم سيخرج الاحتلال الجديد ومعه أدواته من عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى كما خرج أسلافهم، لأنهم يسيرون على خُطى الفشل نفسها، ويكررون أخطاء الاستعمار القديم.. لكن الأخطر في مشهد اليوم أن بريطانيا — التي خرجت من عدن تحت نيران المقاومة في 30 نوفمبر — تحاول أن تعود من بوابة القرارات الدولية؛ فقد تصدَّرت لندن - كعادتها- مشروع القرار الأممي "2801" لعام 2025م المتعلّق باليمن، في خطوةٍ تعكس رغبة مكشوفة في إعادة إنتاج دورها القديم تحت لافتات قانونية وأممية.. إن خطورة تصدُّر بريطانيا لهذا القرار لا تكمن في نصوصه فقط، بل في الرسالة السياسية التي تسعى لندن لتمريرها: أنها لا تزال ترى اليمن -وعدن تحديداً- بوابة نفوذ تاريخية يمكن استعادتها عبر أدوات جديدة، بعد أن فقدتها عسكريًا عام 1967م.. ومن هنا، فإن القرار "2801" ليس مجرد وثيقة أممية؛ بل مؤشّراً على محاولة استعادة النفوذ البريطاني في المنطقة، وتمرير مشاريع الهيمنة عبر “غرفة التحكُّـم الدولية” التي تعمل بريطانيا على إدارتها سياسيًا وأمنيًا، مستغلةً حالة الاضطراب والتشظّي في الجنوب، وضعف المؤسسات، وتَـعدُّد القوى الممولة خارجيًا.. لقد خرجت بريطانيا من عدن بالأمس، لكنها اليوم تحاول أن تعود من نافذة الأمم المتحدة، ومن خلال أدوات محلية مرتبطة بمشاريع استعمارية مكشوفة.. ومثلما أسقط اليمنيون الاحتلال القديم بالبندقية والإجماع الوطني، فإنهم اليوم قادرون على إسقاط أي وصاية جديدة مهما تم تزويقها بالدبلوماسية أو “المعونات الإنسانية”.. فالشعب الذي صنع ثورتي سبتمبر وأكتوبر، واحتفل بجلاء نوفمبر، لا يمكن أن يُستعـبَد من جديد.. شعبنا قد جرَّب الخيانة، وعرف مرارة التبعية، ولن يسمح بتكرارها مهما كانت التضحيات.. ودعوني أقتبس مما قاله الرئيس الشهيد صالح الصماد – رحمه الله – ذات مرة حين قال: “نحن لا نحمل السلاح شهوةً للقتال، بل دفاعاً عن كرامة وطننا وسيادته”.. لذا، مَنْ يراهن على كسر إرادة اليمنيين فهو واهِم، فالشعوب لا تُـقهر حين تدرك هويتها وتتمسك بكرامتها.. إن المؤتمر الشعبي العام، وهو الحزب الذي تأسَّس على مبادئ الثورة والجمهورية والوحدة، يجدّد في هذه المناسبة التاريخية موقفه الثابت الرافض كل أشكال الاحتلال والوصاية، ويؤكد أن القضية الوطنية واحدة لا تتجزأ، وأن تحرير كل شبر من أرض اليمن من أي وجود أجنبي هو واجب وطني مُقدَّس.. ويدعو المؤتمر كل القوى الوطنية الصادقة، شمالًا وجنوبًا، إلى رصّ الصفوف، وتوحيد الجبهة الداخلية، وتجاوز الخلافات الصغيرة، لأن العدو الحقيقي هو مَنْ يسعى لتفتيت الوطن وتمزيق نسيجه، لا مَنْ يختلف معنا في الرأي أو الانتماء.. كما أن علينا جميعًا أن نعمل ونهيّئ الأرضية التي تعزّز الوعي الوطني، وتمكّـن الشباب من بناء مشروع وطن متكامل، مستقل في قراره، حُر في اختياره، كريم في كرامته.. لقد انتهى الاستعمار البريطاني في جنوبنا الغالي، لأن أبناء الوطن اتحدوا على كلمة سواء فانتصروا.. واليوم سينتهي الاحتلال الجديد وأعوانه، لأن الشعب اليمني لا يُباع ولا يُشترى، ولأن الخيانة مهما طال بها الزمن تنتهي بذُلّ أصحابها.. ستبقى ذكرى 30 نوفمبر منارة أمل للأحرار، وصفعة في وجه العملاء والخَوَنة.. وستبقى عدن رمزًا للعِزة والكرامة مهما حاولوا طمس هويتها أو سلْخها عن جسد الوطن الكبير.. نُهدي تحية الفخر والإجلال إلى أرواح الشهداء الذين رووا بدمائهم تراب الوطن من عدن إلى صعدة ومن ميدي الى المهرة وسقطرى.. ونعاهدهم أننا على دربهم سائرون، وأننا سنحمي استقلالنا ووحدتنا.. وأن الخَوَنة والعملاء – كما فشل أسلافهم بالأمس – سيفشلون اليوم وغدًا أمام إرادة الشعب العظيم.. المجد والخلود لشهداء الوطن.. والنصر والحرية لليمن أرضاً وإنساناً.. وكل عام وشعبنا بخير وعِزة وكرامة. * نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام |






















