بشرى المقطري - ما فعله المطر في صباح آب (قصة قصيرة) كان الجو غائماً.. السماء مكتظة بالبكاء!
أنهمر المطر في ساعة مبكرة من صباح آب، فغسل الشوارع والمنازل والأسواق والأزقة المتعرجة .
بدأت السيول تجرف كل شيء: القوارير الفارغة والنفايات الملونة، وحفائط الأطفال، وعلب الشوكولاته رديئة الصنع، وأوراق القات اليابسة، وأعقاب السجائر.
كل شيء ناله غضب السماء السخي؟
لم أعد أتذكر متى بدأت تُمطر.
لكنه وقتٌ طويلٌ مرّ وأنا في هذه الشرفة، أرقب الكائنات والأشياء وهي تغتسل وتنتشي ثم تحتضر وتذوب.
كان شخص ما هناك، لا أستطيع تمييز ملامحه عدا عينيه الضجرتين تتسلقان زوابع المياه، مبللاً يعدو بحثاً عن مخبأ آمن، يحميه من انهمارات السماء.
أقترت من الحائط الخشبي الذي يفصل كشك بيع الجرائد عن مقهى شعبي، أدخل يديه في جيب بنطاله، أخرج سيجارة، رماها في الأرض بعد أن شيعها ببصقة. اتجه إلى زاوية بعيدة، أخذ يتأمل المكان بعد أن أفسد المساء كل شيء.
"يا إلهي.. لماذا كل هذا الخير المدمر؟!"
كان الشارع غارقاً حتى رأسه، امتدادٌ مائي يضرب إلى أعماق لا ترصدها العينان. عشرات السيارات توقفت وعجزت عن السير، وأصبحت المدينة تعيش تظاهرة جنائزية.
الأطفال يتشبثون بالسيارات الواقفة، ليعبروا إلى الضفة، الرجال الوقورون ينهرونهم بعيون خائفة تدرك عواقب اللعب في مثل هذه الحالات.
كان الأهالي ساخطين على البراكين المائية المتفجرة، التي أوقفت الحياة باكراً، وقد اختزلت الزمن في دوامة من المياه اللامتاهية.
كانت النساء أكثر وجوماً، متسربلات بالسواد، وقد التصقت ثيابهن فبرزت أثداؤهن النافرة، وأصبحن محط أنظار الشباب، الجميع يحاول الاحتفاظ بجسده كي لا يذوب في الماء.
"ليتني لم أتركه يخرج مغضباً في هذا المطر.."
كان الشارع الرئيسي يكتظ بالأشياء القابلة للانزلاق، السيول تتدافق بقوة مقتلعة ما يعترض جنونها.
لم تكن المرأة قادرة على العبور أمام الحشد الهائل من البشر، المتكومين في الزوايا، أو الواقفين تحت أعمدة النور.
قلقةً تتسربل بالسواد، ومن ثقبي عينيها الصغيرتين أطل الخوف مرتدياً وشاح الفجيعة، قلقة تعتصر أصابع الخوف، ترمق عيناها الطرف الآخر حيث احتشدت بعض النساء تحت سقف المقهى، وما بين ساعة يدها وحشد الرجال والنساء، توزع نظراتها المتوجسة خوف الانزلاق.
لعلَّ السماء لم تمطر منذ قرون بهذا السخاء المفجع. اليوم عصرت الغيوم أحشاءها فغسلت المدينة والشوارع والنساء.
المرأة المتشحة بالسواد، تتلفت حولها، وقد تبللت أطرافها، مقاومة براكين المياه التي حاصرتها بقسوة، مرسلة استغاثاتها المكبوتة شفرات مائية بعد أن خانها الصوت إلى الأبد.
انزلقت لزجة رخوة.. ومن بعيد لاح شبح أسود حمله الماء سريعاً إلى العالم الآخر.
|