![]() فوضى السلاح الفلسطيني مرة أخرى ليس سراً أنه إذا كان مطلوباً أن تسفر قمة محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون عن نتائج إيجابية، من الزاوية الفلسطينية طبعاً، لا مفرّ من ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني أولاً. من الواضح أن "أبو مازن" لم يحقق، حتى الآن، سوى نتائج متواضعة في هذا المجال بدليل تهديد أحمد قريع رئيس الوزراء الفلسطيني بالاستقالة في حال استمرار الأوضاع على حالها قبل أيام: "كفى فوضى. إن شعبنا لم يعد قادراً على تحمّل فوضى السلاح". ليس في استطاعة الشعب الفلسطيني الاستمرار في تحمل فوضى السلاح، يكفيه الثمن الذي دفعه حتى الآن بسبب هذه الفوضى التي لم تقده سوى من كارثة الى أخرى أكان ذلك في الأردن أو لبنان أو فلسطين، ذلك أن الموضوع مرتبط بعقلية متخلفة لا بد من التخلّص منها إذا كان مطلوباً تفادي كوارث جديدة. في أردن أواخر الستينات وأوائل السبعينات، كادت فوضى السلاح الفلسطينية تقضي على القضية الفلسطينية. ولولا وجود سلطة مركزية قوية في الأردن وقتذاك استطاعت الانتهاء من فوضى السلاح تلك، لكان مشروع الوطن البديل نفّذ منذ ذلك الزمن على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه في أرضه التاريخية. لكن المؤسف أن المنظمات الفلسطينية لم تتعلم شيئاً من تلك التجربة التي نقلتها الى لبنان الذي عانى طويلاً من فوضى السلاح الفلسطيني ومن عقلية "جمهورية الفاكهاني". ذلك لا يعني في أي شكل تحميل الجانب الفلسطيني وحده مسؤولية حرب لبنان، إلا أنه لا يمكن تجاهل أن السلاح الفلسطيني وما رافقه من فوضى كان بين العوامل التي ساهمت في الحرب ومدّ أمدها وتوسّعها وأخذها أبعاداً إقليمية سهّلت التدخل الإسرائيلي. وهو تدخّل عرف اللبنانيون كيفية التعاطي معه والانتهاء منه بعيداً عن فوضى السلاح الفلسطيني. كان يؤمل في السنة 2005 بأن يقول رئيس الوزراء الفلسطيني الموجود على أرض فلسطين كلاماً من نوع آخر غير التلويح باستقالة حكومته مع قادة الأجهزة الأمنية في حال استمرت فوضى السلاح. وكان يؤمل بأن تكون هناك عملية خبط للسلاح الفلسطيني وتوظيفه في خدمة الأهداف المرحلية للشعب الفلسطيني كي يتحوّل الانسحاب من غزة خطوة أولى على طريق الانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشرقية ورسم الحدود النهائية للدولة الفلسطينية بما يتفق الى أبعد الحدود مع الشرعية الدولية أي خطوط 4 حزيران 1967. فوق ذلك كله كان يؤمل بأن يستفيد الجانب الفلسطيني من أجواء دولية تصبّ في الرغبة في التوصل الى تسوية معقولة ومقبولة. تسوية قد لا ترضي كل طموحات الشعب الفلسطيني لكنها توفر له على الأقل سبل استعادة الحد الأدنى من حقوقه بما يؤهله للعيش كشعب طبيعي بعيداً عن ممارسات الاحتلال. لا شك أن السياسة الأميركية منحازة لإسرائيل، ولكن لا بد من التعامل مع هذه السياسة ومع ما يمكن اعتباره إيجابيات أميركية، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن بوش الإبن هو أول رئيس أميركي يتحدث عن "دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة". والملفت حالياً أن الجماعات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة تستند في حملاتها على صورة الفلسطينيين الملثمين حاملي السلاح في شوارع غرة كي تحذر من نتائج أي انسحاب من غزة ولتبرير الاستمرار في بناء "الجدار الأمني" الذي لا هدف له سوى ابتلاع أجزاء من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية. ليس العامل الأميركي الوحيد الذي يمكن الاستفادة منه لدعم القضية الفلسطينية. هناك أيضاً جو دولي مساعد لا يتمثل في وصول فريق من الحلف الأطلسي الى رام الله لمباشرة اتصالات في شأن العلاقات بين الحلف والسلطة الوطنية الفلسطينية فحسب، بل هناك اتصالات إسرائيلية ـ مصرية ستفضي عاجلاً أم آجلاً الى وجود مصري على الحدود مع غزة بدل أن يكون هذا الوجود إسرائيلياً. كلما اقترب الفلسطينيون من الانتهاء من فوضى السلاح، تقدموا خطوة في اتجاه الاستقلال، ذلك أن معركة التخلّص من الاحتلال لا يمكن أن تخاض في ظل موازين القوى الإقليمية والدولية القائمة هذه الأيام إلا على الصعيد الديبلوماسي. وبكلام أوضح أن المفاوض الفلسطيني لا يستطيع أن يدخل أي محفل دولي أو أي وزارة للخارجية إذا كان محاوره سيسأله عن الوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية وعن تلويح رئيس الوزراء بالاستقالة بسبب فوضى السلاح! |