الجمعة, 04-أبريل-2025 الساعة: 02:39 ص - آخر تحديث: 12:08 ص (08: 09) بتوقيت غرينتش      بحث متقدم
إقرأ في المؤتمر نت
30 نوفمبر.. عنوان الكرامة والوحدة
صادق‮ ‬بن‮ ‬أمين‮ ‬أبوراس - رئيس‮ ‬المؤتمر‮ ‬الشعبي‮ ‬العام
الذكرى العاشرة للعدوان.. والإسناد اليمني لغزة
قاسم محمد لبوزة*
اليمن قَلَبَ الموازين ويغيّر المعادلات
غازي أحمد علي محسن*
عبدالعزيز عبدالغني.. الأستاذ النبيل والإنسان البسيط
جابر عبدالله غالب الوهباني*
حرب اليمن والقصة الحقيقية لهروب الرئيس عبدربه منصور هادي الى السعودية
أ.د عبدالعزيز صالح بن حبتور
البروفيسور بن حبتور... الحقيقة في زمن الضباب
عبدالقادر بجاش الحيدري
في ذكرى الاستقلال
إياد فاضل*
نوفمبر.. إرادة شعبٍ لا يُقهَر
أحلام البريهي*
فرحة عيد الاستقلال.. وحزن الحاضر
د. أبو بكر القربي
ثورة الـ "14" من أكتوبر عنوان السيادة والاستقلال والوحدة
بقلم/ يحيى علي الراعي*
المؤتمر الشعبي رائد البناء والتنمية والوحدة
عبدالسلام الدباء*
شجون وطنية ومؤتمرية في ذكرى التأسيس
أحمد الكحلاني*
ميلاد وطن
نبيل سلام الحمادي*
المؤتمر.. حضور وشعبية
أحمد العشاري*
عربي ودولي
المؤتمر نت - صحيفة السفير اللبنانية
السفير - فهمي هويدي -
دعوة إلى حلف فضول جديد
لان خبرة الواقع دلت على أن الخلاف العلماني الاسلامي أصبح المعوق الرئيس المعطل للاجماع الوطني، في مصر على الأقل، فإن مسؤولية اللحظة التاريخية الراهنة التي نمر بها تفرض على الجميع أن يرتفعوا فوق حساباتهم ومراراتهم، وأن يسارعوا الى رأب ذلك الصدع الخطير. وإذا لم يفعلوها الآن وليس غدا، فلن يغفر لهم ذلك، في الدنيا والآخرة.
إذا جاز لي أن أدخل من آخر الكلام أوله يعرفه الجميع فإنني أدعو إلى <<حلف فضول>> جديد يعقده الطرفان بأطيافهما المختلفة، ومنه ينطلق الجميع لتحقيق الأهداف الوطنية المشتركة، التي تصب في وعاء الإصلاح السياسي وإحداث التغيير المنشود. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن ثمة إجماعا على تشخيص الحالة ولكن الخلاف السياسي يدور حول الإجابة على مختلف أسئلة العلاج.
لماذا حلف الفضول بالذات؟
قبل أن أجيب أروي قصته باختصار لمن نسي أو لم يتح له أن يطلع عليها. ذات يوم في أواخر القرن السادس الميلادي، في الأغلب بين عامي 590 و600 ميلادي قبل الإسلام جاء إلى مكة تاجر يمني من بلدة زبيد، وأعطى بضاعته لرجل من بني سهم في مكة، ولكن الأخير ظل يماطل في دفع الثمن، مستثمرا غربة اليمني وضعف حاله، وإذ ضاق الرجل بسلوك المكي، فإنه صعد إلى جبل صائحا ومستغيثا بفضلاء مكة ولما سمع نفر منهم بندائه استدعوه ليتحققوا من روايته. وحين ثبت لهم ذلك، فإنهم ذهبوا إلى المكي وأجبروه على دفع ثمن البضاعة. ثم رأى أولئك الفضلاء أن يجتمعوا مرة ثانية في دار أحدهم عبد الله بن جدعان كي يتعاهدوا ألا يدعوا ببطن مكة مظلوما من أهلها أو من سائر الناس إلا كانوا معه على ظالمه حتى ترد له مظلمته. ومنذئذ سمي ذلك العهد حلف الفضول. ووصفه في وقت لاحق محمد بن عمر بن الخطاب بأنه <<أشرف حلف كان قط>> وفي قولته هذه إشارة إلى حلفين قبليين كانا قبله هما حلف الأفضال وحلف المطيبين وقد باركه لاحقا النبي عليه الصلاة والسلام وقال فيه: <<شهدت مع أعمامي في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو أنني دعيت بمثله في الإسلام لأجبت>>.
لماذا فكرة الحلف الآن؟
لأنه كان في حينه نقلة تاريخية حضارية، جعلت منه أول تجمع في التاريخ للدفاع عن حقوق الضعفاء أو حقوق الإنسان بلغة زماننا. ولأنه حلف أهلي خالص انعقدت جولة إرادة الفضلاء الشرفاء في المجتمع. ولأنه استهدف نصرة المظلومين قاطبة من أهل مكة أو من غيرها. ولأن نبل الهدف فيه جعله متجاوزا الايدولوجيات حتى باركه وتمنى الانضمام اليه نبي الاسلام رغم ان أطرافه الاصليين كانوا مشركين.
هذه السمات جعلت من الحلف مرشحا للاحتذاء من جانب نخبة الفضلاء الذين اختاروا نصرة أمتهم. واجتمعت إرادتهم حول ذلك الهدف النبيل، رغم ما بينهم من اختلاف في المعتقدات او الاجتهادات وهو أكثر ما يحتاجه التحرك المصري الآن.
في الأسبوع الماضي أحصيت 14 تجمعا جديدا ظهر في مصر، معبرا عن الدعوة الى التغيير ومطالبا بجدية الاصلاح السياسي. ولم أذكر تجمعات التيار الاسلامي أولا لانها ليست جديدة، وثانيا لان الاوضاع السياسية التي تقيد حركتها دفعت عناصرها الى الانخراط في تجمعات أخرى. والمتابع لتحركات الشارع المصري لا يفوته ان يلاحظ ان المشاركين في تلك التحركات يظلون في حدود المئات، حين لا يشارك فيها التيار الإسلامي ولكن ذلك العدد يتحول الى ألوف في وجود عناصر ذلك التيار. ولعلي لا أبالغ إذا قلت ان تلك التحركات تظل نخبوية بصورة نسبية حتى إذا شارك فيها التيار الاسلامي فإنها تتحول إلى محيط جماهيري واسع، فضلا عن ذلك فإن خبرة الاسابيع الماضية دلت على ان التجمعات الوطنية التي تتحدث عنها تتركز في العاصمة وعدد محدود للغاية في المدن الكبرى، في حين أن التيار الإسلامي استطاع في احدى المناسبات ان يثبت حضورا مشهودا في 14 محافظة في وقت واحد.
في ما كتبت قبلا تساءلت عن مصير تلك التجمعات وبالتالي مصير الحملة الشعبية السلمية الداعية الى التغيير. ودعوت إلى وضع ما أسميته بخريطة طريق للعمل الوطني يشترك في وضع فقراتها ممثلون عن التجمعات الوطنية الجديدة، تتحدد فيها الاولويات والمطالب والاهداف، وتعرض لاحقا على مؤتمر للقوى السياسية المصرية لإقرارها. لكن تنفيذ الخريطة ليس في سهولة عرضها، لاسباب عدة من بينها ان لم يكن في مقدمتها ذلك الفصام النكد بين التيارين المعسكرين إن شئت الدقة العلماني والإسلامي.
ثمة تاريخ طويل لذلك الفصام، لكن أقرب شواهده تمثلت في احزاب المعارضة على إقصاء ذلك التيار في ما سمي بالحوار الوطني الذي شهدته مصر خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة، ورغم ان التجمعات الوطنية التي ظهرت في خارج تلك الدائرة التقليدية إزاء ذلك التيار الا انني لاحظت ان الاختلاف في هذه النقطة بينها وبين الاحزاب التقليدية هو في الدرجة وليس في النوع، أعني ان الحساسية موجودة ولكنها مدفونة أو مؤجلة حتى إشعار آخر.
دعيت في نهاية الاسبوع الماضي الى غداء اقيم على شرف ضيف اوروبي كبير، زار القاهرة ضمن جولة قام بها للتعرف على ما يجري في المنطقة. وكان الموجودون مجموعة محدودة من الفضلاء الممثلين للنخبة العلمانية المصرية وتطرق الحديث الى امور عدة بينها مشاركة التيار الاسلامي في الحياة السياسية. وهي الفكرة التي أيدها الجميع من حيث المبدأ، لكن المفارقة أنهم تنافسوا بعد ذلك في وضع الشروط والاملاءات التي تضيق من نطاق المشاركة او تعطلها، وهو ما لاحظه الضيف الاوروبي فقال إنهم في بلده لا يعنون بمثل هذه التفاصيل، ولكنهم يشترطون شيئا واحدا وهو أن لا يكون التجمع السياسي المشارك طرفا في العنف المسلح. ذلك أنه إذا ما اختار طريق التعبير السلمي، فليس لأحد أن يملي عليه ما الذي ينبغي أن يقوله أو يفعله في أدائه السياسي.
من بين الدلالات المهمة والمباشرة لحجم الحضور في التحركات الأخيرة التي شهدها الشارع المصري أن الرسالة تكون أعلى وأقوى تأثيراً حين يشارك التيار الإسلامي. أما حين يغيب لسبب أو آخر، فالعكس صحيح تماماً. الأمر الذي يكسب تلك المشاركة أهمية خاصة، حتى من باب البراغماتية أو الانتهازية السياسية. بسبب من ذلك زعمت أن غياب التيار الإسلامي أو تغييبه يضعف من الاحتشاد الوطني المطلوب في اللحظة الراهنة، بل ويحول دون بلوغ المسيرة غاياتها المنشودة. والخاسر الأول والأكبر في ذلك ليس ذلك التيار، وإنما المصلحة الوطنية العليا.
في عام 87 حين ولدت حركة حماس ذكر بيان تأسيسها أن فلسطين وقف إسلامي، وتحدث عن ضرورة إقامة الدولة الإسلامية على الأرض المغتصبة. وهو ما انتقدته وقتذاك في مقالة كان عنوانها <<فلسطين المحررة قبل فلسطين الإسلامية>> وهو موقف ما زلت أدعو إليه يتمثل في التركيز على ما هو سياسي راهن وتأجيل الفكري والمقاصدي حتى يحين أوانه.
هذه النقطة عالجها بشكل أوفى وأعمق المستشار طارق البشري في كتاب بالغ الاهمية عنوانه: <<الحوار الاسلامي العلماني>> نشرته دار الشرق ضمن سلسلة مؤلفاته حول المسألة الاسلامية المعاصرة. اذ لاحظ في تتبعه لمسار الصراع الاسلامي العلماني خلال العقدين الاخيرين أنه يتجه للاستقطاب على أساس فكري. وليس على أساس سياسي أو اقتصادي، ففي فترات سابقة من التاريخ كان الاستقطاب يتم على أساس سياسي محوره القضية الوطنية، الأمر الذي يؤدي الى اجتماع القوى الوطنية التي يهمها استقلال الوطن في مواجهة من تعتبره الخصم الاساسي وهو قوة الاحتلال او الاستعمار ومن والاها من القوى الداخلية. اما في العقدين الاخيرين، فلم تعد قضية التبعية السياسية ولا قضية الديون الاجنبية وتحقيق النهضة الاقتصادية، لم يعد أي من ذلك هو أساس الاستقطاب الآن، وإنما تبلور في قضية الشريعة الاسلامية أو الدين بالحياة.
في كتاب <<البشرى>> فصل نفيس خصصه للحروب الفكرية بين الجانبين، وكيف ان الاشتباك لم يطرق باب التسوية الفكرية، ولجأ فيه كل طرف الى غلق الحدود الفكرية بينه وبين الآخر. وهو موقف من خصائصه أن يمتنع على كل طرف تمثل المنطق الذاتي للطرف الآخر وهمومه الفكرية والزاوية التي يرى منها الواقع، كما تمتنع عليه محاولة تفهم السياق الداخلي لأفكار الطرف الآخر وآرائه.
هنا ينصرف الجهد يضيف البشري لا الى محاولات الالتقاء او التقارب ولكن الى التفتيش عن وجوه الخلاف، والتركيز على هذه الوجوه بحسبانها (الحدود الفاصلة)، وثمة حرص لا على الاعتراف بنواحي القوة لدى الطرف الآخر، ولكن على التنقيب على نقاط الضعف وتوسيعها والنفاذ منها. والتشنيع على الخصم بها. وثمة بحث عن امراض الطرف الآخر، لا لمداواتها ولكن للطعن عليه بها، ومحاولة اغتياله منها. وبمضي الوقت تتكرس المفاصلة وتتعمق أوجه الخلاف، الامر الذي يسقط الحلقات الوسيطة ويحاصر مجالات التداخل التي كان يمكن ان تقوم بدور التقريب بين الاطراف المعنية. فتزداد المجافاة ويعمقها الشك وسوء التأويل ومن ثم تتخذ التمييزات الفكرية وضعا متنافيا لبعضها البعض مع الجانبين.
ما السبيل الى عبور الفجوة كي يحل الوفاق محل الشقاق وينفتح الطريق امام إقامة حلف الفضول الذي لا أرى عنه بديلا في الوقت الراهن؟
قبل أي شيء اريد ان أنبه الى انني اتحدث الى فضلاء الجانبين وعنهم، وهو وصف يخرج منه الغلاة، الذين يدعون الى الكراهية والاقصاء ويستشعرون عارا من انتمائهم العربي والاسلامي. كما دعوا الى تجاور التصنيف النمطي الذي يرى في كل العلمانيين كفارا او في كل الناشطين الاسلاميين طالبانيين وإرهابيين.
أدعو أيضاً الى محاولة تحري وتوظيف مصادر القوة لدى الجانبيين وليس مصادر الضعف. قوة الطاقة الايمانية عند الاسلاميين التي تمثل ذخيرة مهمة لمشروع النهضة، وقوة الدفاع عن الحرية وحقوق الانسان عند المعتدلين من العلمانيين، التي تمثل أهم حصانات ودفاعات مشروع النهضة، ذلك ان وضع اليد على مصادر القوة وحده هو الذي يوفر فرصة مواتية للتكامل في جهود الاصلاح والتغيير التي تمهد للنهضة المرجوة.
وإذا اردنا ان نتصارح اكثر فإن الاسلاميين يجب عليهم ان يكفوا عن اتهام العلمانيين على اطلاقهم في اعتقادهم او في ولائهم الوطني. وعلى العلمانيين أن يكفوا عن مطالبة الاسلاميين بالتنازل عن جزء من اعتقادهم عن طريق الالحاح الدائم على ما يسمونه عدم تسييس الدين. اذ صار من العبث المطالبة بإجراء مثل ذلك الخصم، ناهيك عن أن عملية الفصل أصبحت مستحيلة، وبات السؤال المهم الذي يطرحه العقلاء هو: كيف تدار العلاقة بين ما هو ديني وسياسي؟؟
وإذا كان توجيه ذلك المطلب من العبث بمكان، فإن تجاهل مخاوف وقلق قطاع عريض من العلمانيين من كثرة ترديد شعار <<الاسلام هو الحل>> يعد موقفا عبثيا بدوره اتفق في ذلك مع ما دعا اليه المستشار البشري في مطالبته الاسلاميين بألا يكون خطابهم مقصورا على الدعوة الى مطلق الاسلام فقط، وإنما عليهم ان يترجموا تلك الدعوة الى تحرير الاوطان والنهوض السياسي والاقتصادي الاجتماعي المستقل، وإشاعة الديموقراطية وضمان المساواة بين متعددي الاديان من المواطنين، ومراعاة البيئات الاجتماعية المختلفة في البلاد المختلفة لكي تتخلل الدعوة الاسلامية مطالب الناس، وتستجيب لحاجاتهم فضلا عن ضروراتهم.
توفر الشروط التي أشرت اليها يفتح الباب واسعا لتلاقي الايدي، والاتفاق على بنود الهم أو الارضية السياسية المشتركة التي يقوم عليها الحلف المنشود. ومن أسف أن ثمة جهدا سابقا لم يكلل بالنجاح في هذا الاتجاه، بذلته النقابات المهنيه المصرية في عام 95 حين دعت ممثلي القوى السياسية المختلفة الى ما سمي في حينه ب(ميثاق المصالحة الشعبية والوفاق الوطني) الامر الذي أدى الى شرذمة الجماعة الوطنية وانفراط عقدها. وهو ما أثار لدي خوفاً من تصديق الفكرة التي سمعتها ذات مرة من الدكتور عبد العزيز كامل، أحد حكماء مصر الراحلين، حيث شكك في نجاح المصريين في العمل المشترك. اذ أستند الى رمزية إقامة ملوك الفراعنة للأهرامات الثلاثة، حيث رفض كل واحد منهم أن يدفن في هرم من سبقه، وأصر ان يبني لنفسه هرما مستقلا. ومن ثم بقيت الاهرامات الثلاثة على مر الزمن شاهدا على نزوع المصريين الى إيثار العمل الأحادي الفردي لا الجماعي.
إزاء ذلك فإن التحدي الذي تواجهه الجماعة الوطنية المصرية الآن بات يتمثل في السؤال التالي: أيهما يكتب له النجاح في نهاية المطاف، حلم استدعاء <<اللحظة القريشية>> التي أفرزت حلف الفضول ام <<اللحظة الفرعونية>> التي أنتجت الاهرامات الثلاثة؟؟
() كاتب مصري








أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "عربي ودولي"

عناوين أخرى متفرقة
جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2025