الإثنين, 15-أغسطس-2022 الساعة: 06:56 م - آخر تحديث: 06:52 م (52: 03) بتوقيت غرينتش      بحث متقدم
إقرأ في المؤتمر نت
أبو راس يكتب في ذكرى إعادة تحقيقها .. الوحدة وجود وانتصار
بقلم صادق بن امين ابوراس - رئيس الموتمر الشعبي العام
التطبيع مع الكيان الصهيوني خيانةً عظمى لشهداء الأمة كلها
أ. د. عبدالعزيز صالح بن حبتور
المؤتمر‮.. ‬مبادئ‮ ‬وقيم‮ ‬لا‮ ‬مهادنة‮ ‬فيها‮ ‬ولا‮ ‬تراجع‮ ‬عنها‮ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
راسل‮ ‬القرشي
4 عقود على رياح أغسطس وقيم الحوار المسئول
يحيى‮ ‬علي‮ ‬نوري
لماذا الشيخ/ (صادق امين ابوراس)؟!
محمد اللوزي
قناة "اللاهوية"
د. عبدالخالق هادي طواف
لن ننجر الى مستنقع التفاهة
عبدالملك الفهيدي
هل تماهي قناة (الهوية) مع العدوان في الإساءة للمؤتمر وقياداته صدفة أم إتفاق ؟
حسين علي الخلقي
(الهوية) تقزم تضحيات الشهداء من اجل الزنم والانصار عليهم الاجابة على الاسئلة
علي البعداني
المؤتمر‮.. ‬الشجرة‮ ‬الوارفة
أحمد‮ ‬أحمد‮ ‬علي‮ ‬الجابر‮ ‬الاكهومي‮*
الوحدة‮.. ‬مسئولية‮ ‬المؤتمر‮ ‬والشعب‮ ‬
خالد عبدالوهاب الشريف*
في‮ ‬ذكرى‮ ‬الوحدة‮ ‬الـ(32) لنعالج‮ ‬الأخطاء‮ ‬بكل‮ ‬الصدق‮ ‬والمسئولية‮ ‬
فاطمة الخطري*
الوحدة .. والوحدويون
جلال علي الرويشان*
أخبار
المؤتمر نت - 	تطور الأهمية التاريخية لـ(عدن)
اكتسبت مدينة عدن أهميتها التاريخية في الفترة السابقة لظهور الاستعمار الأوروبي الحديث .. كونها تمثل سلة الغذاء اليمني، حيث كانت المنفذ التجاري الرئيسي لليمن الذي يعود على الدولة بثلثي مدخولات خزائنها –خاصة- وأن تحصيناتها الطبيعية كانت تدرء عنها أخطار الطامعين بها من الممالك والسلاطين، مما جعلها من أكثر محطات العالم التجارية أمناً، وشجع الوصول إليها والارتباط مع التجار اليمنيين بمصالح مختلفة.
وإدراكا لهذه الأهمية فقد عمل الطاهريون عند تفكيرهم باستلاب الحكم اليمني من الرسوليين على مد جسور العلاقة مع (آل احمد)- سكان عدن الأصليين لضمان مؤزارتهم ودعمهم، ثم بدءوا بالاستيلاء على عدن قبل أي مدينة يمنية أخرى (858هـ). وعندما شعر الملك الطاهري عبدالوهاب بن داود بدنو أجله كتب لولده (عامر÷ تصريحاً يسمح له بالدخول إلى عدن، وأوصاه بألا يذيع نبأ وفاته إلا بعد أن يتمكن من الاستيلاء على المدينة وإقرار أمنها وإدارتها...

الملف التوثيقي التاريخي الكامل لـ30 نوفمبر 1967م

المؤتمر نت-نزار خضير العبادي -
قصة الاحتلال.. وملحمة الاستقلال(الحلقة الاولى)
 تطور الأهمية التاريخية لـ(عدن)
اكتسبت مدينة عدن أهميتها التاريخية في الفترة السابقة لظهور الاستعمار الأوروبي الحديث .. كونها تمثل سلة الغذاء اليمني، حيث كانت المنفذ التجاري الرئيسي لليمن الذي يعود على الدولة بثلثي مدخولات خزائنها –خاصة- وأن تحصيناتها الطبيعية كانت تدرء عنها أخطار الطامعين بها من الممالك والسلاطين، مما جعلها من أكثر محطات العالم التجارية أمناً، وشجع الوصول إليها والارتباط مع التجار اليمنيين بمصالح مختلفة.
وإدراكا لهذه الأهمية فقد عمل الطاهريون عند تفكيرهم باستلاب الحكم اليمني من الرسوليين على مد جسور العلاقة مع (آل احمد)- سكان عدن الأصليين لضمان مؤزارتهم ودعمهم، ثم بدءوا بالاستيلاء على عدن قبل أي مدينة يمنية أخرى (858هـ). وعندما شعر الملك الطاهري عبدالوهاب بن داود بدنو أجله كتب لولده (عامر÷ تصريحاً يسمح له بالدخول إلى عدن، وأوصاه بألا يذيع نبأ وفاته إلا بعد أن يتمكن من الاستيلاء على المدينة وإقرار أمنها وإدارتها.
وبالإمكان ملاحظة قوة المكانة الاقتصادية والسياسية لمدينة عدن من خلال جعلها مدينة محرمة على الجميع دخولها بغير إذن صريح من الملك عبدالوهاب بن داود، حفاظا على أمنها، حتى إذا ما وافته المنية (894هـ) أعلن ولده (عامر) نبأ وفاة والده من داخل عدن بعد أن هيأ كل أموره فيها.. وبالتالي فإنها كانت آخر معاقل الدولة الطاهرية التي تقهقرت إليها، ولم يستطع أحد انتزاعها من أيديهم إلا على يد الأتراك الذين غدروا بآخر حكام عدن الطاهريين وهو عامر بن داود الذي صلبه الأتراك على سارية إحدى سفنهم مع عدد من وزرائه.
لكن هذه المدينة ما لبثت أن تحولت إلى قبلة أنظار العالم برمته بعد اكتشاف (بارثلمي دياز) للطريق الملاحي الجديد الذي أطلق عليه (رأس الرجاء الصالح) الذي حول الأهمية المحلية لمدينة عدن إلى أهمية استراتيجية عالمية مرتبطة بشئون التجارة العالمية ومصالح عدد كبير من كبريات الدول الأوروبية والأفريقية والأسيوية- في وقت لم يكن أحد في العالم يعلم بوجود يابسة خلف البحار تقطنها ثلة من الهنود الحمر البدائيين، ولم يكن يخطر ببال بشر أن أولئك البدائيون العراة سيتطورون بعد بضع قرون إلى (شعب الولايات المتحدة الأمريكية).
مع نهاية الألفية الأولى ومدخل الألفية الثانية من التاريخ الميلادي للعالم كان الشرق برمته محط إثارة وإعجاب الغرب، والسر الذي يتوقون للوصول إلى مفاتيح ثرائه التجاري وتوابله التي تسحر روائحها أنوف الأوروبيين.. إلى الدرجة التي أولاها ملوك أوروبا اهتمامهم الخاص، وحدا الأمر بملك البرتغال (هنري الملاح) إلى إيفاد بعثة تجسسية تستكشف طرق تجارة الشرق ومراكزها الحيوية، فكان إن عادات إليه البعثة بعد حوالي عام لتصنع بين يديه تقريرها الخطير الذي توصي به الملك بأنه إذا ما أراد السيطرة على تجارة العالم فما عليه إلا أن يضع يديه على منطقتين فقط وهما (هرمز) و (عدن).
ومنذ تلك اللحظة – أي قبل ألف عام تماماً- لم يستقر لمدينة عدن حال، وأخذت الحملات الأجنبية المختلفة (الحبشية، والفرنسية، والبرتغالية، والأسبانية، والإيطالية، والبريطانية) تتكالب على عدن لاحتلالها والفوز بمركزها الجيوبوليتيكي دون أن ينجح أحد منهم في بلوغ مأربه.
فمدينة عدن أصبحت نقطة منتصف الطريق بين أوروبا وجنوب شرق آسيا، ومياهها عميقة جداً وخالية تقريباً من الشعاب المرجانية، وتطل على مساحة واسعة من البحر العربي والمحيط الهندي، وتصنف مياهها بكونها (مياه دافئة). وبمرور الزمن تعاظم النشاط التجاري الأوروبي مع الهند وبقية دول جنوب شرق آسيا فأصبحت تلك الدول تخشى على مصالحها الكبيرة من التعرض للمهاجمة أو الابتزاز من قبل الدول التي بمقدورها فعل ذلك إذا ما أرادت.. فبات التفكير بعدن أشبه بالبحث عن شرطي حراسة يؤمن السلامة.
لكن بعد عدة عقود من الزمن أضيف للقضية بعدً آخراً.. إذ نجحت بريطانيا باستغلال ما شاعت تسميته بـ(الكشوف الجغرافية) لتبسط نفوذها على الهند ومناطق عديدة في جنوب شرق آسيا وحولتها إلى مستعمرات تابعة لسيادتها. وكذلك فعل البرتغاليون والأسبان في مناطق الخليج العربي، وتحولت تلك الحقبة إلى عصر صاخب للصراعات الدولية بين دول أوروبا لالتهام دول آسيوية وأفريقية تنافساً على المصالح والتراث، إلى درجة وصف تسابقها على أفريقيا بأنه (عطش أوروبا للذهب).
ومن هنا احتدم التنافس الدولي على عدن، وأمسى الكل يعد خططه، ثم يحاول، حتى إذا ما فشل فكر بخطط بديلة يعيد الكرة بها ويجرب حظه في الوصول إلى هذه البقعة من العالم التي لو كان بمقدورهم التبوء بما ستؤول إليه في عصر البترول لما أبقت ملوك أوروبا أحداً من شعوبها إلا ونحرته على أسوار عدن حتى يجعلوا من جثثهم سلالما يعتلونها لبلوغ المدينة واحتلالها.
 (دوريات دولت) واحتلال عدن
يتميز البريطانيون عن غيرهم من القوى الاستعمارية بأنهم يجيدون "فن" الاحتلال، وأنهم سبقوا غيرهم إلى اكتساب الخبرة في معارك من هذا النوع، وتمرسوا على خديعة الحرب على أرض أوروبا قبل أن يصدروها للعالم برمته.
فالبريطانيون بدءوا رحلة التنافس على احتلال عدن بجملة من الارتباطات المهنية التجارية مع اليمن من خلال شركات الملاحة. وكانوا يهدفون من تلك الخطوة تحقيق أمرين: أولهما- استكشاف المنطقة عن كثب، وإنشاء قواعد العملاء والجواسيس- وربما بعض الصداقات أيضاً التي قد تخدمهم في المراحل القادمة. أما الأمر الثاني- فهو محاولة تفجير خلافات نوعية بشأن مصالحهم واتفاقياتهم مع اليمنيين، ثم تطويره ليتحول إلى مبرر لتدخل عسكري مباشر يوصلهم إلى قلب عدن.
وعلى الرغم من نجاحهم النسبي في الأمر الأول، لكنهم أخفقوا في تطوير ذرائعهم وخلافاتهم مع اليمنيين إلى الحد الذي يبرر لهم استخدام القوة.. فلم يكن من صاحبة الجلالة الملكية للعرش البريطاني إلا أن ألقت بالمهمة على عاتق أحد جنرالاتها المشهورين للتصرف بالأمر على وجه السرعة، وكان ذلك الرجل (ستا فورد بتسورث هينس) من مواليد عام 1802م.
استهل (هينس) مهمته بالتقدم بشكوى لحاكم عدن يدعي فيها بأن السفن التجارية البريطانية المسافرة بين بريطانيا ومستعمراتها في جنوب شرق آسيا تتعرض لاعتداءات من قبل بعض المناطق اليمنية الخاضعة لسلطة عدن.. وحذر من عواقب تكرار مثل هذا العمل. لكن (العبدلي) استطاع احتواء الموقف ونفي الادعاءات والتفاهم مع البريطانيين بهذا الشأن.
أما (هينس) فلم يهدأ له بال حتى تجهز للخطوة الأساسية إذ رفع العلم البريطاني على سفينة تجارية هندية يطلق عيها اسم (دوريات دولت)، وجعلها تمر بشاطئي عدن، وهناك ادعى أن قبائل إحدى المناطق اليمنية اعتدوا على السفينة ونهبوها وقتلوا بعض رجالها رغم أنها ترفع العلم البريطاني.. ومن غير أن يتيح فرصة للدفاع أو شرح الموقف، وجه (هينس) مدافعه نحو عدن وباشر بضربها بقوة.. ثم أنزل بعض رجاله على شواطئ عدن لمحاولة الدخول إلى المدينة واحتلالها، إلا أنهم واجهوا مقاومة شديدة من أهالي عدن الذين قتلوا عدداً كبيرا من القوة المهاجمة واضطروا الآخرين للفرار.
وعلى أثر هذه الواقعة كتب (هينس) لحكومته طالباً الدعم والتعزيز، إلا أن الرد كان سلبيا حيث اعتذرت حكومته عن إمكانية إرسال أي قوة إضافية سواء من بريطانيا أم من مستعمراتها ونصحته بالتصرف وفقاً لإمكانيات القوة المخصصة تحت قيادته. فعمل (هينس) على المناورة بأسلوب الكر والفر لعدة أسابيع، ثم هجم بكامل قوته على عدن وتسنى له دخولها في يوم 19 يناير 1839م، وزف في اليوم نفسه (بشائر) احتلاله لعدن إلى بريطانيا فكان أن استغربت حكومته من المفاجأة، وعندما سألوه عن الكيفية التي نجح فيها من اقتحام عدن رغم تحصيناتها وقلة أفراد قوته، أجابهم بأنه كان يستعين باليهود في عدن لتزويده بالمعلومات وتحركات القوات اليمنية وأحجامها، وأنه كان يشتري منهم هذه المعلومات"العظيمة والثمينة" بثمن بخس جداً، ولا يستحق الحديث عنه.
 "بطل" الاحتلال يموت في زنزانة بريطانية
أعطى القائد (هينس) أوامراً لقواته بقتل كل من يقاوم أو يعارض أو يتسبب بقلق لهم أو يشتبه بتحركاته. فأشاع جنده القتل والتنكيل بالأهالي الذين لم يمنعهم ذلك من مواصلة المقاومة وبالمقابل لم تكن تلك المقاومة بقادرة على منع قوات الاحتلال البريطانية من مدة نفوذها وبسط سيطرتها على جميع أرجاء عدن، وكان الفضل في هذا للسلاح الحديث الذي استخدمه البريطانيون وللإمكانيات المادية الهائلة ثم إلى القوة البشرية الكبيرة التي تعززوا بها لاحقاً، علاوة على فرض الحصار على الأنشطة الاقتصادية التي كان يمارسها سكان عدن مما جعلهم ذلك في ضائقة شديدة للغاية.
وعندما وجد (هينس) قواته في حالة انتشار وسيطرة مستقرة كتب لحكومته مطالباً إلحاق عدن بإدارة حكومة صاحبة العرش الملكي مباشرة على غرار الهند.. فكان أن حصلت الموافقة الملكية في شهر سبتمبر 1839م على إلحاق عدن بحكومة بريطانيا في (بومبي)، كما صدر مرسوماً ملكياً في نفس اليوم يقضي بتعيين (ستا فورد بتسورث هينس) حاكماً بريطانياً على مستعمرة عدن.
وهكذا أصبح (هينس) أول حاكم بريطاني لعدن، فأخذ يتبع سياسة خاصة في التعامل مع الأهالي، فصار يبذل الأموال للشيوخ ورؤساء القبائل والوجهات إلى جانب عدد كبير من العملاء الذين جندهم لتعقب أنشطة المقاومة الشعبية. أما أسلوبه الآخر فهو منح الأوسمة والنياشين والألقاب، وإقامة الاحتفاليات التكريمية لبعض الشخصيات التي يعتقد أنها ذات نفوذ وسطوة في المجتمع.. والأسلوب الثالث بتأليب البعض على البعض الآخر، ومناصرة جهة على أخرى وإشاعة الفرقة بين القبائل والجهات اليمنية المختلفة.. لكن أسلوبه الرابع كان بالزج في السجون واغتيال الشخصيات الوطنية البارزة وافتعال الحوادث التي تضر بمصالح البعض الآخر فمن يرفض التعاون معه أو العمل بالسر لصالح قوات الاحتلال.
واستمر (هينس) بمنصبه حتى شهر يونيو 1854- أي ما يقارب الخمسة عشرة عاماً- إذ ما لبثت حكومته أن أنكرت جميل صنعه لها، فاتهمته بالتبذير وتبديد الأموال البريطانية هباءً، وبسوء التصرف.. فكان أن انتهى الأمر بـ(بطل احتلال عدن) أن اقتيد مكبلا بالقيود من عدن إلى بريطانيا، وتمت إحالته إلى محكمة عسكرية حكمته بالسجن، وتم إيداعه إحدى الزنزانات البريطانية في يوليو 1954م وقضى بقية عمره فيها حتى مات داخل الزنزانة في عام 1860م.
وعلى ما يبدو أن البريطانيين سرقوا من (هينس) بطولة احتلال عدن في التهم التي وجهوها إليها، لكنهم نسوا أن يسحبوا من تحت أقدامه بساط بطولة تمثيل الدور الأطول في تاريخ الاحتلال البريطاني لعدن، فالفترة التي أمضاها حاكماً لعدن كانت أطول مدة يقضيها حاكم بريطاني في اليمن منذ الاحتلال وحتى الاستقلال.. ومن المؤكد أن موت (هينس) كان يعني لصانعي القرار السياسي البريطاني آنذاك موت كل الأسرار الخاصة بالاحتلال البريطاني لعدن ومخططات المرحلة القادمة.
 المُحتل صار اثنين، واليمن شطرين
بفقدان اليمن لثغرها العريق اختلت الموازنة السياسية عند اليمنيين، وتضاعفت همومهم فالبريطانيون لم يكترثوا لما يدور حولهم في بقية أرجاء اليمن، وكل همهم انصب في كيفية تأمين وجودهم، واستغلال عدن استغلالاً أمثل لتطوير مصالحهم التجارية وتلبية احتياجات سفنهم من الفحم والمؤن الأخرى والقوى البشرية العاملة.
كما حرص البريطانيون على تأمين محمية عدن من الأنشطة المناهضة للاحتلال والقادمة من مناطق الجوار لعدن، فأخذ قادة الاحتلال يقلدون الأساليب التي كان يتبعها (هينس) في استمالة الأهالي.. لكنهم في هذه المرحلة أضافوا عليها أسلوب إبرام اتفاقيات صداقة وتحالف مع شيوخ وسلاطين عدد من المناطق الجنوبية المحادية لعدن.. وتعهد البريطانيون في تلك الاتفاقيات بالحماية والدفاع عنها، وخصصوا مرتبات مجزية لمشائخها وسلاطينها ما لبثت أن تحولت إلى أدوات ضغط وابتزاز لهم، وكثيراً ما كانت تخذلهم بمجرد توريطهم أو انتفاء الحاجة من خدماتهم.. في الوقت الذي وقف الأئمة في صنعاء عاجزون عن فعل شيء، غير مدركين لخطورة الوضع، تشغلهم عنه صراعاتهم الداخلية على السلطة والمصالح والولاءات.
وهكذا وجد العثمانيون ما يشجعهم في اليمن من انهيار للعودة إليها ثانية في عام 1872م ليدخل اليمنيون في دوامة المواجهة مع محتل ثاني يمد خطاه سريعاً ليبسط نفوذه على مختلف البقاع اليمنية الشمالية والوسطى.. وهو الأمر الذي أثار مخاوف الإنجليز الذين بادروا على الفور إلى التفاوض مع الأتراك بشأن مناطق النفوذ البريطاني التي لا يحق للأتراك التجاوز عليها، وأبرم الطرفان اتفاقية بهذا الخصوص عام 1873م. ثم تمد تجديدها لاحقاً في تسعينات ذلك القرن وأسموها اتفاقية (المحميات التسع).
لكن في العام 1914م تجددت خلافات القوتين الغازيتين، واحتدم الوضع بينهما ثم انتهى بتوقيع معاهدة تثبيت حدود مناطق نفوذ الطرفين المستعمرين اشتهرت بمعاهدة 1914- فكانت بمثابة أول مؤامرة استعمارية على اليمن تسببت بتشطيرها إلى يمنيين (شمالية وجنوبية) حملت الشعب اليمني عبئها الثقيل وتكاليفها الباهضة منذ ذلك الحين وحتى إعادة توحيد البلاد عام 1990م في عهد الرئيس علي عبدالله صالح.
 المملكة المتوكلية والاستعماري البريطاني
عندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914م وقف الإمام يحيى بن حميد الدين على الحياد، فلا حارب الأتراك في جهاته مستغلا الظرف، ولا شاركهم مع باقي قبائل اليمن الأسفل في حربهم القصيرة ضد المحميات في الجنوب والتقدم إلى لحج بقيادة الوالي العثماني علي سعيد باشا الذي نجح في دخول لحجم عام 1915م، وتسبب بقلق كبير للإنجليز الذين كانت قواتهم منهمكة بمواجهة الألمان ويمرون بظرف صعب لا يتيح تقديم أي دعم لوجودهم في جنوب اليمن.
ورغم أن الإمام يحيى حافظ على قواته بعيدا عن أية مواجهة لكنه لم يستفد منها لاحقا في مقاومة الإنجليز. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 وتوقيع أطراف الحرب معاهدة (فرساي) خرج الأتراك من اليمن وفقا لبنود المعاهدة تاركين للإمام يحيى الكثير من المعدات والأسلحة والذخائر. لكن الإنجليز كانوا قد احتاطوا لأنفسهم مسبقاً. فهم ما أن وضعت الحرب العالمية أوزارها حتى بادروا إلى الاستيلاء على تهامة حتى الحديدة لتكون مناطق مقايضة مع الإمام الذي أدرك الإنجليزي وبحكم طبيعة الأمور في اليمن أنه بعد خلاصة من الأتراك سيتطلع إلى تحرير الجزء المحتل من قبلهم، وهو ما حدث بالفعل.
لكن الإنجليز وجريا على سياستهم المشهورة (فرق تسد) قاموا عام 1921م بتسليم ما احتلوه من المناطق التهامية إلى حليفهم (الأدريسي) الذي كان قد أبرم معهم عام 1915م معاهدة صداقة وهكذا م=حوصرا الإمام وحرم من الموانئ المدرة للمال، وانشغل بحرب ضاربة مع الأدارسة وعدد من القبائل اليمنية.. وانتهى به الأمر إلى مواجهات عام 1926م مع السعودية التي عقد معها حسن الأدريسي معاهدة حماية، ثم تطورت الأوضاع وانتكست قوات الإمام في حرب 1934م أمام السعودية، وبالنتيجة وقع الطرفان معاهدة الطائف في نفس العام.
وبالعودة إلى المواجهة مع الإنجليز فإن الإمام كان قد حاول بسط نفوذه على المحميات في الجنوب، ودخلت قواته الضالع أوساط العشرينيات، ثم حاول مناورة الإنجليز من خلال توقيع اتفاقية صداقة مع إيطاليا عام 1926م التي كانت تحتفظ بمستعمرات في الساحل الأفريقي المقابل، كما عقد معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفيتي عام 1928م وشجعه ذلك على دخول العواذل العليا والسفلي إلى جانب تدعيم قواته في الضالع والبيضاء.
وكانت بريطانيا مدركة المغزى كل ذلك ويقظة تنتظر الفرصة المناسبة. فجاء رد فعلها عنيفا جدا وأشعلت حربها ضد الإمام عام 1928م مستخدمة الطائرات الحربية التي ألحقت ضرراً هائلاً بقوات الإمام، كما ألقت المنشورات التهديدية، فتقهقر الإمام على أثر ذلك وهزمت قواته واضطر للدخول في مفاوضات خلصت إلى توقيع اتفاقية حسن الجوار وانسحاب الإمام فيما بعد من المحميات التي دخلها، واضطر للتسليم بالوجود البريطاني في عدن لمدة أربعين عاماً قادمة- وهي مدة الاتفاقية- لكن هذه الهزيمة النكراء والاتفاقية المجحفة، والتخلي عن المزيد من المناطق للإنجليز وغيرها من ظروف المجتمع اليمني الداخلية، كلها بمثابة عوامل أساسية في غاية الأهمية في تأليب الوضع الشعبي ضده، ونهوض الهمم النضالية، ودخول اليمن في حقبة تاريخية جديدة ستقودهم إلى كل ما يصبون إليه- كما سنرى لاحقاً.









أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "أخبار"

عناوين أخرى متفرقة
جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2022