![]() التقريب بين المذاهب ووحدة الأمة الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية ليس معناها بأي حال من الأحوال تذويب الفروق بينها ودمجها في بعضها لتصير مذهبا واحدا، ولا يمكن أن يكون ذلك هو المقصود، فلكل مذهب خصائصه التي لا يريد التنازل عنها، وإنما المقصود هو بذل الجهد لتتعايش هذه المذاهب مع بعضها دون تعصب أو خصومات، فهذا التعايش من شأنه أن يتيح الفرصة أمام هذه المذاهب للتعارف والتفاعل المثمر فيما بينها مما يعد مصدر ثراء فكري يعود بالفائدة على مسيرة الفكر الإسلامي، والهدف هو التقارب لا التباعد، والتآلف لا التنافر، والتعاون لا التدابر. ويمكن القول بأن جوهر المشكلة بين المذاهب الإسلامية يكمن في قضية التعصب والتكفير التي تعكر صفو الوحدة العملية للأمة، فكل منها يكفر الآخر ويعتقد إن ما توصل إليه هو الحق لا مراء فيه وأن الآخرين على ضلال، خارجون عن الملة، مبتدعون في الدين، وهذا من شأنه أن يعمق أسباب الخلاف وعوامل الفرقة بين أبناء الأمة ويغذي بذور التعصب المذهبي التي لا تترك للرأي الآخر مجالا للإفصاح عن وجهة نظره. فكيف السبيل إلى إزالة سوء الفهم والقضاء على التعصب المذهبي لدى كل هذه الاتجاهات حتى يمكن أن نصل إلى وحدة عملية للأمة الإسلامية؟ إن قادة وعلماء هذه المذاهب يتحملون مسؤولية توعية أتباعهم بالحقائق التي أشرنا إليها وغيرها، وبيان أن الجميع مسلمون لديهم قرآن واحد ويعبدون ربا واحدا ويهتدون بهدي محمد صلى الله عليه وسلم وأن تكفير المسلم للمسلم إثم كبير، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. الحوار هو الحل وأفضل وسيلة عملية للقضاء على الأحكام المسبقة والمفاهيم المغلوطة والأفكار الخاطئة لدى كل طرف عن الطرف الآخر هو الحوار الذي يعد اللغة الحضارية الوحيدة التي تليق بالإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه، فالحوار من شأنه أن يتيح الفرصة لتبادل الأفكار وإزالة ما استقر في الأذهان منذ قرون من سوء فهم كل طرف للطرف الآخر، واللقاء المباشر فضلا عن أهميته الكبيرة في جعل الحوار مثمرا من شأنه أن يزيل الجفوة التقليدية والنفور الذي لا مبرر له بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة. وإذا كنا ندعو إلى حوار الأديان والحضارات، أي: الحوار مع الآخر المختلف معنا في عقيدته وثقافته فأولى بنا أن نمارس الحوار “الإسلامي الإسلامي” فيما بيننا، فاستمرار الجفوة والنفور بين المذاهب الإسلامية يضعف الأمة الإسلامية ويفقدها التعاون فيما بينها ويطمع فيها أعداءها. وينبغي أن يركز الحوار على القواسم المشتركة بين المذاهب الإسلامية ليجعل من هذه القواسم أساسا متينا وراسخا للتعاون البناء بين أبناء الأمة على جميع المستويات، فالتشرذم القائم الآن بين أبناء الأمة، والصراعات المختلفة المشتعلة في بلاد إسلامية عديدة، أمور من شأنها أن تعمل على إضعاف الأمة وتجعلها لقمة سائغة في فم أعدائها. إن القرآن الكريم لم يركز في القواسم المشتركة بين المسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة إلا على ثلاث قضايا أساسية هي: الإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح، وذلك في قوله تعالى: “إِن الذِينَ آمَنُواْ وَالذِينَ هَادُواْ وَالنصَارَى وَالصابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ”. وإذا كانت هذه الأسس الثلاثة تشكل قاعدة أساسية للحوار بين الأديان السماوية فمن باب أولى أن تكون قاعدة أساسية للحوار بين أصحاب المذاهب الإسلامية والتقريب بينهم، وهم جميعا مسلمون يتجهون نحو قبلة واحدة ويؤمنون بهذه الأصول الإيمانية الثلاثة. * وزير الأوقاف المصري عن الخليج الاماراتية |