![]() كوندليزا رايس والأوهام الأميركية تمثل اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة والمعروفة اختصاراً باسم (أيباك) أحد أقدم وأهم اللجان المؤثرة على القرارات الأميركية المؤيدة لإسرائيل. نشأت اللجنة في الخمسينات من القرن الماضي من أجل مساندة إسرائيل والدفاع المطلق عنها، حيث يتجاوز عدد أعضائها الآن 000,100 عضو يعملون ويتغلغلون في كافة أرجاء أميركا. ومن أهداف اللجنة الراهنة وقف حصول إيران على الأسلحة النووية، وضمان أمن إسرائيل زالديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسطس على حد تعريف اللجنة، والدفاع عن أى تهديد محتمل ضد اسرائيل في المستقبل، وإعداد جيل أميركي جديد مناصر لإسرائيل. وفي كلمة يمكن القول بأن هدف هذه اللجنة هو ضمان حماية وأمن إسرائيل في الماضي والحاضر والمستقبل، وتجنيد كل ما يقع على الأرض الأميركية من مال وعتاد وتكنولوجيا من أجل تحقيق ذلك. وفي المؤتمر السنوي للجنة الذي عقد في الفترة من 22 ـ 24 الشهر الماضي، ألقت السيدة كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية خطاباً جاء متوافقاً بشكلٍ شبه كامل مع أهداف هذه اللجنة وتدعيمها المطلق لإسرائيل على حساب الحقوق العربية. ورغم أن ذلك ليس غريباً على السياسة الأميركية تجاه العرب، إلا أن تناول هذا الخطاب وتحليله ربما يقدم بعض النور للعرب المتأمركين الذين ما زالوا يراهنون على أهمية أميركا بالنسبة لنا، ومحاولة خطب ودها، والاستقواء بها. أهم ما يكشف عنه خطاب السيدة رايس، بعيداُ عن التواطؤ مع الخطاب الصهيوني العنصري، هو كثرة المغالطات والادعاءات التي ينطوي عليها. وربما يتماثل ذلك مع السياسة الخارجية الأميركية المعاصرة حيث أن أراجيف الخطاب وادعاءاته تمثل إحدى أبرز ملامح هذه السياسة، فلا يهم ما يقوله هذا الخطاب، سواء ارتكز إلى أية حقائق، أو قوانين، أو أعراف دولية، المهم أن يصدقه الآخرون رضوا بذلك أم لم يرضوا. فالمطلوب بشكلٍ محدد الآن ووفقاً للسياسة الخارجية الأميركية أن نتهم من نريد أن نتهم وعليه أن يقبل ذلك صاغراً ومنصاعاً، بل عليه أن يقبل ذلك وهو مسرور وسعيد. ولعل ذلك يتوافق أيضاً مع سياسات وزيرة الخارجية الأميركية صاحبة الرؤية الاستباقية في الهجوم على الآخرين. فالمطلوب بعد أحداث سبتمبر ضرب الآخرين والهجوم عليهم وتدميرهم قبل أن تلقي أية ضربات مبكرة، ولعل ذلك يفسر ذلك التناغم بين وزيرة الخارجية الأميركية ورئيسها الحكيم!!تمنحنا السيدة رايس في افتتاحية خطابها حديثاً بالغ الإنسانية عن أهمية الحرية للجنس الإنساني، كون هذه الحرية ليست هبة من أحد لغيره من البشر. لكنها هبة الله سبحانه وتعالى للإنسان، فالحرية وُجدت حينما وُجد الإنسان على حد اقتباسها من توماس جيفرسون. في هذا السياق تؤكد رايس أن المشترك الواضح بين كلٍ من إسرائيل وأميركا هو تأكيدهما على أهمية الحرية والكرامة لكل الكائنات البشرية. من حسن الحظ هنا. أن منظمة العفو الدولية قد أصدرت تقريرها السنوي عن حالة حقوق الإنسان في العالم بعد خطاب السيدة رايس بيومين، والذي بينت فيه الأمينة العامة للمنظمة إيرين خان حجم الانتهاكات الهائلة التي قامت بها الإدارة الأميركية وإسرائيل لأوضاع حقوق الإنسان، كاشفة حجم الهوة بين ما تقوله الإدارة الأميركية وما تمارسه في الواقع الفعلي من انتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان في العراق وفي أفغانستان وفي غيرهما من دول العالم. مضت السيدة رايس في ادعاءاتها لتبين لنا أن السياسة الأميركية قد اهتمت لمدة ستين عاماً بالاستقرار في الشرق الأوسط على حساب الحرية حتى فاجأتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من هنا جاءت المبادرة على يد الرئيس جورج بوش من أجل الاهتمام بالديمقراطية وتدعيم الحريات في الشرق الأوسط، وتغيير الأوضاع الإستبدادية فيه. لقد أخذت أميركا على عاتقها، وبمساعدة الدول الصناعية الكبرى، تغيير الأوضاع في الشرق الأوسط من خلال الأهداف التالية على حد تعبير السيدة رايس: الانفتاح السياسي، والحرية الاقتصادية، والفرص التعليمية، وأخيراً تمكين المرأة. تمضي السيدة رايس في أغاليطها واستعلاءاتها. حينما تؤكد على أنه يجب على العرب ألا يغاروا مما حدث في العراق وفي الأراضي الفلسطينية من تحولات ديمقراطية هائلة، فما حدث هناك سوف يطال العالم العربي كله إن آجلاً أو عاجلاً. حيث تضرب أمثلةً كثيرة للتغييرات الكبيرة التي حدثت في العالم العربي مثل البحرين والأردن وقطر والسعودية والكويت ومصر ولبنان. أهم ما تذكره السيدة رايس في خطابها أن الولايات المتحدة قد أخذت على عاتقها تغيير الشرق الأوسط، وتحقيق الديمقراطية التي يتوق إليها مواطنوه، لذلك فهى لن تتعامل مع من يرفضون تحقيق هذه الآمال العريضة لشعوبهم. وفي هذا السياق، تكشف السيدة رايس لنا من خلال خطابها أن الولايات المتحدة تصبو إلى اليوم الذي ترى فيه دولاً أخرى ديمقراطية في الشرق الأوسط الذي لا تعرف أيا من بلدانه معنى الديمقراطية سوى اسرائيل. وهنا لا يفلت الأموات أيضاً من لسان السيدة رايس الحاد حينما تؤكد على أن الرئيس بوش رفض مقابلة عرفات لمدة أربع سنوات متواصلة لأنه لم يهتم من جانب بأمن اسرائيل، كما لم يهتم بحرية شعبه من جانب آخر. ومن سوء حظ عرفات أنه مات ولم يلتق بالسيد بوش ويحظى برؤيته الكريمة!! وعلى العكس من ذلك، ترى السيدة رايس أن محمود عباس أكثر التزاماً بالسلام عن سلفه لذلك فقد نال الكرم السامي وحظي بمقابلة الرئيس بوش وتدعيمه. تنصح السيدة رايس السلطة الفلسطينية بضرورة تفكيك كل الشبكات «الإرهابية» في المجتمع الفلسطيني، كما تنصح باقي الدول العربية بضرورة وقف تلك الحملات العدائية التحريضية التي تبثها أجهزة الإعلام العربية، وأن توقف كل أشكال الدعم للتعليم المتطرف والإرهابي، والأهم من ذلك كله، أن تؤسس لعلاقات طبيعية مع الغالية اسرائيل!! كما حظيت كلٍ إيران وسوريا بالنصيب الكبير من الاتهامات التي وجهتها لهما رايس، فكلاهما داعم لـ «الارهاب» ، مؤيد له، وكاره للمصالح الإسرائيلية الأميركية. بالطبع كان لإيران النصيب الأوفر من الحديث، في ظل محاولاتها المستمرة لامتلاك أسلحة نووية يمكن أن تهدد بها الدولة العبرية صاحبة أكبر ترسانة نووية في المنطقة. جاء خطاب السيدة رايس مليئاً بالأغلاط والادعاءات السافرة، فلم تكلف رايس نفسها عناء الاعتدال والتوازن والارتكان إلى حقائق الوضع الراهن الذي تواجهه المنطقة من جانب، وتواجهه أميركا من جانب آخر. فمعظم، إن لم تكن كل، ممارسات أميركا في المنطقة تمت من أجل مصالح الدولة العبرية من جانب، وضد رغبات الشعوب العربية من جانب آخر. وللأسف الشديد فإن ما تحاوله أميركا وتهدف إليه الآن هو فرض حب وتعاطف الآخرين معها بالقوة، فعلى ما يبدو أن أميركا لا تستطيع أن تنجز شيئاً بالديمقراطية والحوار والرغبة الحقيقية من قبل الشعوب والأنظمة التي تتعامل معها، بقدر ما تستطيع ذلك بالقهر والكذب والتضليل. كاتب مصري، جامعة الإماراتئ؟ |