![]() أين ذهب عقل الدولة العربية ؟ علمتنا النظرية السياسية أن للدولة عقل يتصرف على الأقل في أوقات الأزمات الكبرى بما تمليه أبجدية الاختيار الرشيد وخاصة في أوقات الأزمات. بل أن أهم نظرية في العلوم السياسية اليوم هي نظرية الاختيار العقلاني، وهي تقول بأن الناس فرادى وحكومات يأخذون بأفضل الاختيارات المتاحة التي تخدم مصالحهم في لحظة معينة. ولكن الدولة العربية لا تثبت هذه النظريات بل عكسها. واذا تركنا النظريات وتصفحنا في أي كتاب ولو بدائي حول السياسة العملية أو ماذا يجب أن تفعل؟ وماذا يجب أن تتجنب الحكومات والدول؟ لوجدنا أن أكثر الحكومات العربية تتصرف بعكس ما تقول به كتب الحكمة هذه. هذا ما نكتشفه من استعراض سلسلة الأخطاء التي وقعت فيها كثرة من الحكومات العربية خلال الشهور القليلة الماضية. فاذا اكتفينا بالحكومتين السورية والمصرية نجدهما يفتقدان إلى رؤية منسجمة لكيفية إدارة السياسة الداخلية، بحيث يبدوان في حالة من الارتباك في الوقت الذي تخضعان فيه لمتابعة دولية وثيقة، لأسباب ولأهداف مختلفة. الولايات المتحدة تفرض على الدولة السورية سياسة عزلة واحتواء. وهي هددت بتصعيد الضغوط ضد سوريا سواء بتعلية سقف العقوبات الاقتصادية والسياسية، أو بالضربات العسكرية المحدودة. وأحد أدوات الضغط الأساسية التي تستخدمها الإدارة الأميركية الحالية ضد سوريا هي تعبئة المعارضين للنظام السوري في الخارج وخاصة من خلال ما يسمى بحزب التقدم. وكان التوقع هو أن تقوم الحكومة السورية بتوسيع قاعدة الحكم وضم واستيعاب القوى الاجتماعية والسياسية الكبرى داخل وخارج سوريا والسماح بقدر كبير من الحريات لإفشال المخطط الأميركي وتمكين سوريا من الدفاع عن نفسها بفعالية ضد الضغوط وربما الضربات الأميركية. وكانت قد ثارت بالفعل شائعات قوية حول «حوار» بين الحكومة وحركة الإخوان المسلمين. وفجأة تقوم الحكومة السورية بعكس هذا بالضبط. فتعتقل جميع أعضاء مجلس إدارة منتدى جمال الأتاسي لمجرد أنه سمح بقراءة بيان للإخوان المسلمين السوريين، وتعلن أن السبب هو أن «الإخوان» هم خط أحمر لا يسمح بتجاوزه! بذلك تكون الحكومة السورية قد خسرت بضربة واحدة كلا من الإخوان والمجتمع المدني وأكثرية المثقفين في الداخل والخارج السوري. ولا شك أن هذه الضربة تعني تكميش بدلا من توسيع قاعدة الحكم.صحيح أن الموقف الأساسي للمجتمع المدني والقوى التقدمية وغالبية ألوان الطيف السياسي هو رفض «الاستقواء بالخارج» والاصرار على رفع شعار الدفاع عن الوطن ولو عبر الحكومة السورية الحالية. ولكن لا يمكن للدولة السورية أن تعتمد بصورة مطلقة على هذا الموقف المبدئي. فعندما يحل اليأس بقلوب الناس بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والسياسية، وعندما يكون وجودهم نفسه مهددا من حكومتهم ذاتها، قد يضطرون في النهاية للتسليم بحتمية أن «تأخذ الطبيعة مجراها» وأن يرفضون أو يتقاعسون عن الدفاع عن حكومتهم هذه عندما يحين الخطر الأكبر. وقد رأينا أن بعض الفرق نفسها في السودان مثلا اضطرت لتدويل الصراع مع حكومتها بعد استيلاء العسكريين على الحكم عام 1989. ومن هذا المنظور يمكننا أن نعد عملية الاعتقال الأخيرة لمجلس منتدى الأتاسي وتفجير العلاقة بين الحكومة والإخوان خطأ لا يقل جسامة عن خطأ دفع الموقف اللبناني إلى المنزلق الخطير الذي وصلته بعد تعديل الدستور للتجديد للرئيس لحود مرورا باغتيال الرئيس الحريري ووصولا إلى القرار 1559 الذي أخرج سوريا من لبنان بصورة غير كريمة. والواقع أن الحكومة المصرية ارتكبت الخطأ نفسه وبالسياسات المرتبكة نفسها فيما يتعلق بإدارة السياسة المحلية. فقد بدت الحكومة المصرية وكأنها تقود كتلة الحكومات العربية الرافضة للاصلاح السياسي في الوقت الذي تدرك فيه تماما أن ليس بإمكانها مقاومة الضغوط الأميركية والدولية للقيام باصلاحات سياسية جوهرية. الا ربما عن طريق دفع ثمن باهظ من المصالح الاستراتيجية للدولة المصرية. كان «الحساب العقلاني» يقول بوضوح ليس بعده وضوح أن مصر لا تستطيع أن تحافظ طويلا على فجوة كبيرة بين واقعها السياسي وصورة المجتمع الدولي عنها، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقضية الاصلاحات الديمقراطية وقضية انتهاكات حقوق الانسان. فالمجتمع الدولي يمنح مصر نحو 5% من ناتجها المحلي الإجمالي، فضلا عن مكانة ممتازة في الدبلوماسية الدولية. ولا يوجد ناصح أمين وعاقل يقول للدولة المصرية أن تقاوم الضغوط من أجل أن يظهر النظام السياسي بصورة أفضل مما هو عليه أو أن يقول لا للديمقراطية. بل كانت الحكمة تملي أن تمسك الحكومة بزمام المبادرة وتعلن رؤية متكاملة ومنسجمة للاصلاح الديمقراطي قبل أن تبدأ الضغوط الأميركية في الاشتداد. واذا كانت الحكومة قد فاتتها هذه الفرصة لم يكن من الملائم اطلاقا أن تستمر في خطاب الممانعة، لأنها ستضطر آجلا أو عاجلا لادخال اصلاحات أساسية والا ستفقد القدرة على المبادرة بل والقدرة على السيطرة على الوضع الداخلي فضلا عن دفع ثمن باهظ من صورتها ومن مصالحها الاستراتيجية دون أن تحصل على أي شيء ايجابي أو مفيد. ولكن ما حدث هو أن الحكومة المصرية تبنت خطاب الممانعة، في الوقت الذي تدرك فيه استحالة الاستمرار فيه. ولذلك بدا أداء الحكومة متخبطا. فما أن اعلنت مبادرة تعديل المادة 76 من الدستور حتى انخرطت في وضع كل الاعاقات الممكنة لتقييد النتائج المنطقية والحتمية لهذا التعديل. وانتهى الأمر بانتاج نص تعديل حافل بالقيود والأخطاء. وسريعا ما اضطرت للتصعيد مع المعارضة الداخلية بالتدخلات الفظة والمكشوفة في إدارة الاستفتاء عبر التضحية بالاشراف القضائي الكامل الذي تطلبه المادة 88 من الدستور. وسريعا ما وضع هذا التعديل الحكومة في مواجهة مع نادي القضاة وهو ما أدى بها إلى ادخال المجلس الأعلى للقضاء في الصورة على نحو قد يقسم القضاة المصريين. وفي اليوم نفسه الذي عقد فيه الاستفتاء قامت عصابات من البلطجية في حماية الشرطة بالعدوان البدني على عدد من متظاهري كفاية والتحرش الجنسي بعدد من الصحافيات والمحاميات بل والعدوان على بعض المراسلين الأجانب والمصريين العاملين في فضائيات عربية ووكالات أنباء عالمية. وبذلك تورطت الحكومة ـ من دون أن تقصد على الأغلب ـ في سلسلة من الأخطاء التي تظهرها في حالة مزرية من التخبط، في الوقت بالضبط الذي تحتاج فيه إلى أقصى قدر من التعاطف الدولي والشرعية الداخلية. فاذا أضفنا لهذا كله سلاسل الأخطاء التي ترتكبها دول عربية أخرى منذ فترة يصبح السؤال ملحاً: أين ذهب عقل الدولة العربية. فأين ذهب؟ قد يكون مفتاح الاجابة هو الشخصنة المتزايدة للدولة والسلطة. فالدولة العربية تتصرف مثل الشخص الذي يعميه الغضب عن رؤية الحقائق والمسؤوليات، بل ويهبط بعدها أحيانا إلى مستوى أداء العصابات. غير أن الاجابة الكاملة عن هذا السؤال تستلزم التعرض لقضايا أخرى أكثر عمقا من ظاهرة الشخصنة . وتتناول فوضى الإدارة السياسية والافتقار إلى الرؤية الثاقبة والفكر المستنير والثقافة الرفيعة فضلا عن قلة الزعامات الكبيرة والحكيمة، وضحالة التدريب السياسي لنخب الحكم بل وتجريف السياسة بسبب ادمان البطش.ولذلك عندما تحتاج الدولة لمهارات الحساب السياسي قد لا تجده لديها بل وقد لا تجده عند غيرها. البيان الامارتية |