|
|
الحياة - ماهر عثمان - تلك التهدئة... الى اين؟ يبدو انه مهما فعلت اسرائيل او ستفعل سيظل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مقتنعاً أشد القناعة بضرورة «حماية التهدئة» التي توصل اليها مع الفصائل الفلسطينية واتفق مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون في لقائهما في شرم الشيخ في الثامن من شباط (فبراير) الماضي على التزامها. ومنذ ذلك الحين، ورغم اعلان عبّاس انه اتُّفِقَ، بين أمور أخرى، على ان توقف اسرائيل تعقبها للمقاومين المطاردين الذين تسميهم اسرائيل «مطلوبين»، لم تنفذ اسرائيل اي شيء مهم من تفاهمات شرم الشيخ باستثناء اطلاقها 400 أسير معظمهم من الذين أوشكت مدد محكوميتهم على الانتهاء، ما ترك نحو ثمانية آلاف آخرين على الاقل وراء قضبان سجون الاحتلال.
والواقع ان تفاهمات شرم الشيخ التي يبدو واضحاً الآن ان شارون لم يكن جاداً في تنفيذها تركت مخططات شارون الكبيرة الخاصة بفرض «حقائق جديدة» على الارض على حالها. ذلك ان عباس يصر على بقاء التهدئة رغم ان اسرائيل تواصل تهويد مدينة القدس التي أعلن شارون في ذكرى احتلال الجيش الاسرائيلي لها في السادس من حزيران (يونيو) 1967 انها ستبقى عاصمة اسرائيل والشعب اليهودي الموحدة الى الأبد من دون ان يصدر عن السلطة الفلسطينية ورئيسها مجرد كلمة اعتراض واحدة. ان اسرائيل تطوق مدينة القدس الآن بجزء من جدارها الفاصل العنصري يسمى «غلاف القدس»، وتعتزم هدم بيوت فلسطينيين في بلدة سلوان الواقعة على مسافة قصيرة جداً الى الشرق من المدينة التي ما زالت المؤسسات الفلسطينية المهمة فيها مغلقة، كما ان اليهود المتطرفين ما زالوا يهددون بالاعتداء على المسجد الاقصى واقتحامه.
ومع امعان اسرائيل في تنفيذ مخططاتها التوسعية، تبدو هذه التهدئة قابلة بذلك التوسع الاسرائيلي المتمثل في مواصلة بناء الجدار العازل وقطع أشجار الزيتون الموجودة في مساره المرسوم ونهب للاراضي الفلسطينية باسم الجدار الذي يقام باسم أمن دولة اسرائيل وسكانها على حساب الاراضي الفلسطينية المحتلة وسكانها.
انها تهدئة يصر عليها الرئيس عباس إصراره على إنهاء عسكرة الانتفاضة، خصوصاً بعد تجفيف الموارد المالية لفصائل مثل «حماس» بجهود اسرائيلية واميركية واوروبية، رغم استمرار اسرائيل في بناء بؤر استيطانية جديدة وتوسيع الكتل الاستيطانية الضخمة، كما سيحصل في حالة كتلة «معاليه ادوميم» التي ستشق الضفة الغربية الى نصفين لا صلة جغرافية بينهما. ويقضي المشروع الاسرائيلي بعدئذ بضم «معاليه ادوميم» الى القدس لتصير المدينة المقدسة مطوقة من كل الجهات بكثافة سكانية يهودية تغرق الوجود الديموغرافي الفلسطيني في القدس ومحيطها.
ان التهدئة جيدة اذا كان طرفاها يعاملان كل منهما الآخر معاملة الند للند. ولكن بالامكان افهام القادة العسكريين والسياسيين الاسرائيليين، الذين اعتبروا انتفاضة الاقصى حرباً قاسية صعبة، ان ثمن انهاء «عسكرة» الانتفاضة واحلال التهدئة محله هو تنفيذ خطة خريطة الطريق بحذافيرها ومن دون تأخير.
لقد شدد عباس بعد محادثاته في البيت الابيض مع الرئيس جورج بوش على ضرورة الاسراع في تنفيذ «خريطة الطريق» قبل ان يلتهم الاستيطان الاسرائيلي ما تبقى للفلسطينيين من أراضيهم المحتلة منذ 1967. ولا يبدو الآن ان الولايات المتحدة واسرائيل راغبتان في التفكير بما هو ابعد من الانسحاب من غزة.
وما زالت اسرائيل تواصل اعتداءاتها الاستفزازية القاتلة مثل قيام قوات خاصة من جيشها المحتل الثلثاء الماضي باغتيال قيادي في الجناح العسكري لـ»حركة الجهاد الاسلامي» في بلدة قباطية وقتل ضابط في الاستخبارات العسكرية الفلسطينية كان أعزل من السلاح لوجوده قرب البيت الذي حوصر فيه رجل «الجهاد». ومعنى ذلك ان اسرائيل ستواصل ضرب الفلسطينيين كما تشاء وستواصل ابتلاع اراضيهم واذلالهم على الحواجز وتهويد قدسهم، فيما يواصل الجانب الفلسطيني تلك التهدئة التي تعد انتحاراً سلمياً بطيئاً.
إنها تهدئة المتفرج على نهش لحمه وأرضه وانسانيته.
|

|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
تعليق |
إرسل الخبر |
إطبع الخبر |
RSS |
حول الخبر إلى وورد |
معجب بهذا الخبر |
انشر في فيسبوك |
انشر في تويتر |
|
|
|
|