انتخابات تفضي إلى ازمة حكم في لبنان قطع انتصار الجنرال ميشال عون العائد عشية الانتخابات النيابية إلى بيروت من منفاه الباريسي بعد 15 عاما قطع الطريق على خطة الثنائي وليد جنبلاط سعد الحريري بتشكيل كتلة محورية حاكمة في لبنان تملأ الفراغ الذي نجم عن انسحاب القوات العسكرية السورية من هذا البلد. وقد ضرب الانتصار العوني الخطة المذكورة في قلبها أي في الجبل المسيحي عبر إسقاط المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية وعلى رأسهم النائب نسيب لحود احد ابرز وجوه تكتل قرنة شهوان المعارض. والراجح أن يواصل عون الإجهاز على هذه الخطة عبر اجتياح مقاعد الشمال في المرحلة الأخيرة من الانتخابات البرلمانية الأحد المقبل، وان تم له ذلك يكون الجبل المسيحي غير قادر على ترشيح رئيس للجمهورية بمعزل عن القاعدة المسيحية التي بات عون يحمل رايتها كما هي حال وليد جنبلاط بالنسبة للدروز وسعد الحريري عند السنة وحسن نصرالله ونبيه بري عند الشيعة. ومن المحتمل أيضا أن يكف البطريرك الماروني نصرالله صفير عن أن يكون الطرف الأقوى في اختيار الرئيس المقبل ذلك أن انتصار عون قد تم على حساب تجمع قرنة شهوان المعارض الذي كان صفير يرعاه علنا من خلال ممثله المونسينيور رولان أبو جودة ما يعني انه لم يعد بوسع الثنائي جنبلاط الحريري العثور على مرشح رئاسي ماروني استنادا إلى مشيئة صفير أو بوحي منه وان خطة الكتلة الحاكمة الوارثة لرستم غزالة باتت شبه مستحيلة ومعها أيضا الرعاية الدولية المنتظرة والتي ما زالت قيد الاستقرار في لبنان منذ 14 مارس/ آذار الماضي. وعلى الرغم من انتصاره الساحق وتمثيله المسيحي الثابت لا يمكن للجنرال ميشال عون أن يحول انتصاره إلى خطة حكم بديل حتى لو حقق مع سليمان فرنجية واحمد كرامي فوزا كاملا في شمال لبنان الأحد المقبل ذلك أنه يفتقر إلى التأثير المطلوب في الطائفتين السنية والشيعية أو على الأقل في إحداها ما يعني أن قوته التمثيلية لا تعطيه أكثر من حق الفيتو وبالتالي الانخراط في المعارضة أقله في الظروف السياسية الراهنة . كان يمكن للانتصار العوني أن يتحول إلى ورقة مساومة حيوية في اللعبة السياسية اللبنانية وبالتالي التفاوض مع ممثلي الطوائف الأخرى على شراكة متساوية في الحكم لو أن الانتصار تحقق بشعارات غير تلك التي تحقق بها لكن شروط الانتصار تقيد المنتصر و لا تتيح له هامشا واسعا للمناورة. لقد تدفقت الأصوات على مرشحي عون لأنه وعد ناخبيه المسيحيين عموما وبعض المسلمين جزئيا بالاقتصاص من الإقطاع والفساد ووضع حد للمقاومة اللبنانية عبر الالتزام بالقرار 1559 بكافة بنوده معتبرا أنه لا يختلف عن “اتفاق الطائف” لجهة نزع “سلاح الميليشيات” وما انفك يدافع عن موقع رئاسة الجمهورية الذي تعرض للإهانة على حد تعبيره. لقد فسر ناخبو الجنرال الشعارات المذكورة بالمعنى الذي يروق لهم ولقائدهم فالإقطاع هو الاسم المستعار لوليد جنبلاط والفساد وإهدار مال الدولة وتراكم المديونية هو الاسم الحركي لسعد الحريري ونزع “سلاح الميليشيات” مطلب لا يحب حزب الله أن يتلفظ أحد به. هكذا تبدو الشعارات الهجومية جذابة للغاية لدى ناخبي عون الذين امتنعوا عن التصويت بكثافة في الجولتين الأولى (السنية) في بيروت والثانية( الشيعية) في الجنوب وأقبلوا على التصويت بكثافة بعد امتناع دام 15 عاما في كسروان جبيل وفي المتنين الشمالي والجنوبي فضلا عن زحلة. إن المشكلة التي تطرحها الشعارات العونية تكمن في إن ما يعتبر “عيبا” عند جمهوره الطائفي يعتبر فضيلة عند الجمهور الطائفي المقابل، ف “الإقطاع” ليس إقطاعا عند الدروز بل زعامة وطنية عالية المقام، والفساد والمديونية والبترودولار تحمل معنى مضادا عند أنصار الحريري فالثراء العائلي رمز للنجاح والتنمية وفعل الخير، و”سلاح الميليشيات” يعتبره الشيعة شتيمة لمقاومة لم تكن يوما “ميليشيا” بل رمز للتضحية والكرامة الوطنية. عندما يقول وليد جنبلاط إن انتصار ميشال عون يعيد الأوضاع اللبنانية إلى العام 1976 ويهيئ لعودة السوريين إلى لبنان فإنه يلفظ نصف الحقيقة.أما النصف الآخر فيكمن في أن السوريين كانوا يوفرون شروط حكم في لبنان يتعايش في كنفه الإقطاع والبترودولار والمقاومة والإحباط المسيحي جنبا إلى جنب. بكلام آخر كانوا يحيطون برعايتهم “ستاتيكو” أو وديعة لبنانية موروثة من نهاية الحرب الأهلية ويتيحون حراكا سياسيا داخلها، إلى أن قرر الثنائي جنبلاط الحريري التحرر من الوصاية والنظام الأمني السوري الضامن الوحيد لشروط الحكم المذكورة وبالتالي خوض مغامرة السيادة والاستقلال أي اللعب في الملعب الذي لم يبارحه ميشال عون منذ 15 عاماً من دون أن يدرك الثنائي نفسه أنه كان بهذه اللعبة يصب الماء في طاحونة الجنرال الذي قال لمن يسمع جيدا إن ملعب السيادة والاستقلال ملعبه وان الطارئين على اللعبة ضيوف عنده وبالتالي لا يحق لهم مصادرة الملعب و”التشبيح” على أصحابه. الحاصل أن الانتخابات اللبنانية الراهنة تختلف عن الانتخابات التي تدور في بلدان العالم، فإذا كانت الانتخابات مصممة أصلا لتسهيل ممارسة الحكم فإن نسختها اللبنانية المميزة بالاصطفاف الطائفي الحاد تفضي إلى أزمة حكم، ويفصح تاريخ أزمات الحكم في لبنان عن نتائج عديدة لا تنطوي كلها على المساومة بل أيضا على الانفجار والحرب الأهلية والاحتمال الأخير لا يتحكم به اللبنانيون وإنما القوى الوصية عليهم |