![]() تطبيع أم تطويع؟ من ظواهر العصر الأميركي أن تكون انتخابات رئاسية في بلد مثل إيران مرسومة ومرهونة لعملية تطبيع العلاقة مع الولايات المتحدة. ولو لم تكن المسألة متعلقة بـ»الجمهورية الإسلامية» لأمكن القول إننا بصدد حفلة «ستريبتيز» يتبارى فيها المرشحون، وسيعتبر أفضلهم من يتمكن من الاقناع بأنه الوحيد الذي يستطيع أن يبدو بكامل ملابسه حتى لو خلعها كلها. المهمة دقيقة وخطيرة، لكن يبدو ان القرار متخذ حتى داخل مؤسسة الملالي. لم يعد في الإمكان تجاهل ضرورة استعادة العلاقة مع أميركا، لكن بشروط. ودائماً كانت المسألة تختصر بهذه الشروط. فهناك دائماً من الجانب الأميركي ما هو تعجيز، ومن الجانب الإيراني ما هو مستحيل، على رغم أن الطرفين لا تنقصهما البراغماتية. وبسبب رسوخ الاحقاد والثارات غدا الحاجز الايديولوجي قوياً وسميكاً بينهما، لذا اعتقد اليمين الأميركي المحافظ في إدارة جورج بوش أنه مكلف برسالة شبه الهية لتخليص إيران من ملاليها، فيما اعتبر الملالي أنهم معنيون بتصفية الاستكبار والشيطان الأكبر. أمران أعادا أميركا وإيران الى الواقع وانزلاهما من علياء النضال السماوي: العراق، والقنبلة النووية (المفترضة). شاءت إدارة بوش أم أبت، فإن شريكها الأول في العراق ليس توني بلير كما تعتقد وإنما طهران، أو بالأحرى أنه يتمثل بالعراقيين الجدد الذين يعتبرون إيران امتدادهم الطبيعي والحيوي وحليفهم الدائم، وهؤلاء هم الذين سهلوا مهمة الاحتلال الأميركي على رغم كل المصاعب. وكان سقوط نظام صدام حسين أهم خبر جيد تلقته طهران خلال ما يقرب من ربع قرن، إذ أنها لم تنسَ ان هذا النظام ادخل الجمهورية الاسلامية في اتون حرب قاسية أضعفتها معنوياً ودمرت الاقتصاد وفرضت على ايران أجندة لم يكن نظام ما بعد الشاه قد استعد لها مسبقاً. ولأنها لم تنسَ فإن ايران التي واجهت في تلك الحرب تكتلاً دولياً واسعاً، خططت لجعل مثل تلك الحرب حدثاً يصعب تكراره. لذلك يحظى الخيار النووي اليوم بقبول شعبي صلب في ايران، بمعزل عما اذا كان سلمياً أو غير سلمي. فالشعور السائد هو ان هذا الخيار جيد للبلد بالمعنى الاستراتيجي والوطني. وفي مقابل هذا القبول الواضح هناك نقمة اجتماعية واسعة تطالب بتليين أداء النظام ورفع التسلط على الحريات، والأهم انها تطالب بفرص عمل واقتصاد يمكن الاعتماد على فاعليته. ولا شك ان الملف النووي أثار ويثير الكثير من السخط والجدل والانزعاج والتوعدات داخل الادارة، بل اعتبر اختراقاً غير متوقع لخطط الهيمنة على المنطقة من أواسط آسيا الى شمال افريقيا مروراً بالشرق الأوسط. لكن ما العمل ازاء مشروع لا يمكن التحكم به من الخارج، ولا معلومات دقيقة عنه، ولا سبيل الى الحد من أخطاره إلا بالتفاهم مع طهران. لذلك كان الاعتماد على المفاوضات الاوروبية - الايرانية، وعلى شيء من ضبط النفس والواقعية في التعامل مع ايران، خصوصاً ان أجواء التصعيد والتوتير التي نفخت اسرائيل في النار لازكائها لم تفد الا في دفع السيناريوات الكارثية التي لا تقتصر على ايران نفسها وانما تنعكس على مجمل المنطقة. ولا سيما على القوات الاميركية فيها. يستدل من التقويمات المتبادلة ان ثمة رهانات شبه متساوية. فالمرشح الأوفر حظاً هاشمي رفسنجاني بات يتكلم على أنه المفاوض المقبل لفتح صفحة جديدة بين طهران وواشنطن. أما الأخيرة فاضطرت الى طي مشروع لقانون يحمل اسم «محاسبة ايران» لتنشغل في درس الاحتمالات التي يطرحها مجيء رفسنجاني بشخصيته الملونة، بين الاصلاحي والمحافظ، وبين المعتدل والمتشدد، وبين الانعزالي والمنفتح. هذا رجل لكل الفصول لا يعتبره المحافظون واحداً منهم ولا يجزم الاصلاحيون بأنه ميؤوس منه، ثم انه على تفاهم مع مرشد الجمهورية ـ الحاكم الفعلي ـ لكن المرشد لا يثق به الى حد اعطائه تفويضاً على بياض. الأكيد ان هدفاً كـ«تغيير النظام» قد يكون في حالة ايران غير واقعي، لكن الاصلاح الداخلي ضروري لملاقاة توقعات الايرانيين أنفسهم، وليس استجابة للضغوط الخارجية. ومن جهة أخرى، قد يبدو التوق الى التطبيع مع اميركا مصلحة شعبية وحكومية لكنه مرشح لأن ينقلب عداء وكرهاً سافرين اذا اتضح ان واشنطن تسعى الى اذلال البلد. فإيران حالة معقدة لا يمكن اختصارها ببعض الظواهر أو بعض المجموعات المعارضة، واذ عرضت طهران مراراً مطالبها الاساسية لـ«التطبيع» مبرهنة عملياً على قبولها المشروط به فإن السؤال لا يزال مطروحاً دولياً وحتى داخل أميركا عما إذا كانت واشنطن حسمت أمرها وبالتالي ستذهب الى أي حوار بنية التطبيع لا التطويع. |