الاتحاد الأوروبي والدستور لا يستطيع المشككون في فكرة الوحدة العربية أن يتخذوا مما حدث لمشروع الدستور الأوروبي في الأيام القليلة الماضية برهاناً يزكي مواقفهم الانعزالية. فما حدث هناك في حالة الاستفتاء لم يكن رفضاً أو تنكراً لفكرة الاتحاد الأوروبي وما حققه من نجاح تاريخي في توحيد القارة الأوروبية سياسياً واقتصادياً، وإنما كان رفضاً من الأغلبية لبعض النصوص التي تضمنها مشروع الدستور المقترح. وكان ذلك متوقعاً منذ بدء الحديث عن ذلك الدستور الذي تمت صياغته على عجل وقبل انضمام دول جديدة من الكتلة الشرقية السابقة إلى هذا الاتحاد وما رافق ذلك الانضمام من مخاوف اقتصادية لدى المواطن الأوروبي الغربي لها ما يبررها. وحتى لو سقط حلم الاتحاد الأوروبي وفشلت التجربة الأوروبية من أساسها فليس هناك ما يدعو المشككين بأفكار الوحدة والاتحاد العربيين إلى الابتهاج، فالفارق كبير بين مكونات الوحدة الأوروبية، والوحدة العربية. هناك فوارق قومية وتاريخية واجتماعية، وهنا تقارب تام قياساً بما عليه الحال في أوروبا، ومع ذلك فإن ما حدث لم يكن رفضاً للاتحاد الأوروبي وللفكرة التي قام عليها ذلك الاتحاد والتي أصبحت هدفاً لحاضر الأوروبيين ومستقبلهم، وإنما كان الرفض كما سبقت الإشارة لنصوص في الدستور الذي لم يحسن واضعوه إدراك الحساسيات الاقليمية المترتبة عليه والذين لم يراعوا التدرج في بعض الأحكام الاقتصادية وتم القفز على الخصوصيات وفتح الأبواب والنوافذ من دون مراعاة للمستجدات التي طرأت بعد الموافقة على ضم دول من المعسكر الشرقي السابق إلى الاتحاد وما يترتب على ذلك من أعباء ومسؤوليات مالية يتحملها المواطنون في أوروبا الغربية. إن على دعاة التشكيك في كل وحدة أو اتحاد تتم في العالم انطلاقاً من مواقفهم الانفصالية أن يتأكدوا من أن الاتحاد الأوروبي قائم ومستمر وهو يزداد رسوخاً بمرور الأيام، وسيبقى يشكل حالة من التحدي الروحي والنفسي بالنسبة إلينا نحن العرب الذين تجمعت لنا كل أسباب الوحدة والاتحاد. وجاءت المستجدات الأخيرة لتجعل من فكرة الاتحاد العربي هدفاً عاجلاً لحماية ما تبقى من الكرامة العربية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من السيادة التي باتت عرضة للاختراق والتحدي الظالم من قوى دولية كان الوطن العربي ولا يزال مصدر انتعاشها الاقتصادي ومجال نفوذها السياسي. لقد قطع الاتحاد الأوروبي شوطاً طويلاً في مجال الاستقرار وحققت عملة الوحدة (اليورو) نجاحاً ساحقاً وليس من السهل أن يتخلى مواطنو هذا الاتحاد عن هذه المكاسب الحقيقية مهما كانت لهم من ملاحظات على بعض نصوص الدستور المجحفة في حق الخصوصية وهم قادرون في أقل وقت من الزمن على الوصول إلى حل مناسب يضمن لاتحادهم الراسخ المزيد من التماسك والنجاح ليس في المجالات الاقتصادية والسياسية وحسب، وإنما في الوقوف في وجه الهيمنة الأمريكية التي جعلت من أوروبا في مرحلة الحرب الباردة مستعمرة تتحرك في فلك المصلحة الأمريكية مهما كانت متعارضة مع المصلحة الأوروبية. |