الصحافيات في قفص الحريم! في مطلع التسعينات، حين كنت في بداية عملي كصحافية، شاركت في تغطية جنازة باسل، الابن الأكبر للرئيس الراحل حافظ الأسد.. يومها، كانت جموع المشيعين تتوافد إلى قرية القرداحة السورية مسقط رأس العائلة، وكنت أقف أراقب مواطنين اصطفوا لتحية الجثمان.. أحد الجنود الموكلين بتنظيم الجنازة أشفق علي من التدافع حولي فصرخ بالجمع: «يا جماعة شوي شوي! في حرمة قدامنا!». هذه الجملة، ورغم أن الجندي هدف منها التخفيف من الازدحام حولي، إلا أنها جعلتني أشعر أنني وفي لحظة تجردت من كل ما اعتقدت أني اكتسبته، أو على الأقل بدأت، من علم ومهنة ومعرفة، وأن النظرة إلي ارتدت مجدداً إلى البدايات، أي إلى كوني «حرمة» لا أكثر ولا أقل. في أكثر من مناسبة ومكان كنت أجابه بسؤال، أو على الأقل بنظرات مرتابة، حيال عملي كامرأة في الصحافة.. إحدى السيدات اللواتي التقيتهن في الكويت مثلاً سألتني لماذا أسافر وحدي في جولاتي الصحافية من دون محرم! بعض الأوساط المتشددة كانت ترفض التحدث معي وتميل للحديث مع صحافيين! أسترجع حوادث من هذا النوع وأنا أتابع تداعيات قضية التحرش الجنسي بصحافيات ونساء مصريات خلال تظاهرات معارضة نظمتها حركة «كفاية» مطلع الشهر الحالي في القاهرة والتي لم تصل إلى خواتم واضحة من حيث المسؤوليات أو الملاحقة.. فواقعة التحرش بصحافية وتمزيق ملابسها بدت رداً بدائياً عاجزاً، إذ لا تزال بعض الأوساط التقليدية في مجتمعاتنا تقاوم مسألة مشاركة المرأة وتخاف حضورها في مجالات حيوية في حياتنا العامة. فمن حاول عرقلة التظاهرة التي حملت شعاراً سياسياً لا نسوياً أراد إحباط هذا التحرك من خلال نسائه أو ما يعتقد أنه النقطة الضعيفة التي يسهل من خلالها النيل من الحشود ومن شعاراتهم عبر المسّ بذروة كرامتهم وهي التي يفترض أن المرأة تجسدها... ولا يقل تبرير رئيس قسم الحوادث في صحيفة «الأهرام» أحمد موسى دلالة، إذ زعم موسى أن الصحافية هي التي مزقت ملابسها وادعت أن رجال الشرطة اعتدوا عليها. هذا التبرير لا ينفي واقعة الاعتداء بل يردّ مسؤوليتها إلى الصحافية. وهذا القول وإن بدا ركيكا لكنه يعامل الصحافية من قبل زميل في المهنة أيضاً، ليس من زاوية مهنية بل من زاوية كونها امرأة تكذب وتستغل أنوثتها!! أما التظاهرات الصحفية المضادة والتي انتقدت التحرش بإحدى الزميلات فقد حملت أيضاً شعارات من نوع «هتك عرض زميلاتنا هو هتك عرض للوطن»..!! مجدداً، مفردات تنتمي إلى الزمن واللغة التقليدية نفسها، إذ بدا الدفاع عن الصحافيات يستخدم اللغة نفسها التي اعتمدها المعتدون وإن من زاوية أخرى لكنها لا تنفي خصوصية «العرض» بصفته خاصية نسائية لا يجوز التعرض لها.. قد يبدو الحديث عن اندفاعة نسوية في مهنة الصحافة وكسر التقاليد في عالمنا العربي ترفاً ونحن نتابع صور الصحافية الفرنسية فلورنس أوبينا وهي تلوح بيدها الناحلة والمرهقة بعد أن انتهت محنتها كرهينة في العراق والتي استمرت خمسة أشهر عانت خلالها من العزلة والضرب والتهديد المستمر بالقتل.. أوبينا، ورغم قسوة ما عانته، بدت متماسكة ولم نشعر للحظة أنها ستخاطبنا من زاوية نسوية! [email protected] * إعلامية لبنانية تراقب وتتابع قضايا الإعلام |