![]() انتخابات إيران.. معركة الحرباء مع النمس اعتبر البعض أن لا أهمية للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي ستجري اليوم بإيران، بينما اعتبرها البعض الآخر لحظة مصيرية فيما تختلف الحقيقة عن كلا التصورين. فهي ليست بلا أي قيمة، لأنها تقدم صورة حقيقية عن توازن القوى داخل النظام، وفي الوقت نفسه فلا وجود للحظة مصيرية، بغض النظر عمن سيفوز، لأن الفائز لن يتمكن من حل التناقض القائم في النظام، الذي لم يتمكن حتى الآن من تعريف نفسه ضمن شروط تاريخية محددة. لنبدأ أولا بالأهمية الأساسية في هذه الانتخابات: تقول المعلومات التي قدمتها عن القوى النسبية التي تمتلكها الكتل المنتمية داخل النظام، إنه من المستحيل تقريبا معرفة كم من الناخبين ذهبوا حقا إلى صناديق الاقتراع، لكن حتى لو قبلنا الأرقام الرسمية غير المتحقق من صحتها، فإن نسبة الناخبين في الجولة الأولى هي الأقل من بين الانتخابات الرئاسية التسعة التي جرت في إيران منذ عام 1979. وأحد الأسباب يكمن في أن انعدام الاهتمام الشعبي بها يظل هو القناعة السائدة التي تتجه الى أن المرشحين، الذين يشار إليهم بأنهم «الأقزام السبعة»، يبدون وكأنهم لا يقدمون أي خيار حقيقي، ومع ذلك ففي الجولة الثانية هناك اختيار حقيقي، على الرغم من أنه ضمن حدود قواعد المؤسسة الحاكمة. والى ذلك، فسيكون من الحماقة الزعم أن علي أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمود أحمدي نجاد المرشحين اللذين سيتواجهان في الجولة الثانية اليوم هما متماثلان. هذا مثل القول إن ماو تسي تونغ ودينغ هسياو بينغ متماثلان لأنهما ينتميان إلى الحزب الشيوعي الصيني. فالفارق الأساسي بينهما، هو أنك ستحصل مع احمدي نجاد على ما تراه أمامك، فيما لن يكون بوسعك أن تحصل على نفس الشيء مع رفسنجاني، فأنت لا تستطيع تصور احمدي نجاد أكثر مما يظهر عن نفسه، بينما مع رفسنجاني تستطيع أن تحصل على شخصية تبرز بأشكال تنكرية عديدة، مثلما هي الحال مع الإله الهندي كريشنا، والتنافس بينهما شبيه بالتنافس ما بين الحرباء والنمس. فرفسنجاني هو رجل لكل المواسم: فهو قابل على أن يكون شخصا متشددا وشخصا معتدلا أو بدون أي خط حسب الظروف، بينما الحال مع احمدي نجاد هو أنه خميني متطرف يعني ما يقول، حتى لو إفتقد التهذيب أو الكياسة السياسية. فرفسنجاني يقول انه ربما يمحو اسرائيل من الوجود، في يوم من الايام، ولكنه لا يقصد ذلك، فيما لم يشر احمدي ابدا الى تدمير اسرائيل، ولكنه يقدم كل الادلة على انه يحلم بذلك كل ليلة. ويتفاخر رفسنجاني بأن ايران في حالة حرب مع الولايات المتحدة وستنتهي الحرب بذل «الشيطان الاعظم»، ولكنه يبعث بتلميحات عبر وسطاء بريطانيين. اما احمدي نجاد فنادرا ما يتحدث عن الولايات المتحدة بل وينفي وجود ازمة في العلاقات. ولكنه من المؤكد تقريبا انه يؤمن بأن النظام الخميني يمكنه ان يقود ثورة اسلامية لطرد الولايات المتحدة من الشرق الاوسط. ويقول رفسنجاني ان النساء والرجال متساوون ولكنه لا يؤمن بذلك، بينما يقول احمدي ان النساء والرجال غير متساوين ويؤمن بما يقوله. ويتعهد رفسنجاني بالديموقراطية ولكن الناس تتذكر فترة رئاسته الاستبدادية التي استمرت ثماني سنوات. غير ان احمدي يعلن علنا انه لا توجد ديموقراطية في الاسلام، وان «الحكم الاسلامي النقي» الذي يتعهد بتأسيسه ليس له علاقة بالنظام الجماعي الغربي، فبالنسبة له ما السلطة إلا وسيلة لتحقيق الاهداف المثالية لثورة الخميني، بينما يكون مفهوم السلطة بالنسبة لرفسنجاني مفهوما مطلقا. ومعروف عن رفسنجاني انه اثرى شخص في ايران، ويحتل المرتبة الـ 46 في قائمة اثرياء العالم، فيما لا يزال احمدي نجاد يدفع الاقساط الشهرية لقرض شراء منزله المتواضع. وقد أثبت رفسنجاني خلال الفترتين اللتين كان خلالهما رئيسا لايران انه يعتبر الفساد عاملا لتسهيل حركة النظام القمعي. ومن الناحية الاخرى معروف عن احمدي نجاد نجاحه في تطهير قادة عصابات الفساد في بلدية طهران التي ترأسها، كما وعد بتنظيف اوكار بؤر الفساد داخل الحكومة، وقد تعهد احمدي بتسريح نحو 30 شركة أقامها رجال الدين المتنفذون للاستيلاء على جزء كبير من عائدات النفط الايرانية. يمكن القول ان رفسنجاني عبارة عن عدة اشياء مجتمعه في شخص واحد. فهو رجل أعمال ورجل دين وسياسي. إلا ان احمدي نجاد ظل ثوريا محترفا منذ شبابه. فقد ظلت يده على الزناد وحارب بنفسه الانفصاليين التركمان والأكراد، كما انه قاتل وأوشك ان يقتل، في عدة احداث، بسبب خدمته لمبادئه الخمينية. ترأس احمدي نجاد عام 1983 فرقة كوماندو لاغتيال المنشق الكردي عبد الرحمن قاسملو في فيينا، كما تعرض لإصابة بالغة خلال تبادل لإطلاق النار. اما رفسنجاني، فلم يحدث ان دخل في مخاطرة شخصية، وعندما أراد تصفية المنشقين الأكراد عام 1992 ارسل فرقة قتل الى برلين لتنفيذ تلك المهمة. هذا بالإضافة الى وجود فرق في الأجيال بين الاثنين. فأحمدي، وهو أصغر بـ 22 سنة من رفسنجاني، هو طفل الثورة، الذي قضى سنوات تكوينه في ظل النظام الخميني فيما كان رفسنجاني مقاولا ناجحا وتاجرا للفستق في زمن الشاه. ولا يختلف المرشحان في شخصيتيهما فقط وإنما يمثلان فئات اجتماعية مختلفة. فرفسنجاني يمثل كبار رجال الأعمال والمؤسسات المختلفة التي تهيمن على الاقتصاد وفئة كبار الموظفين، والكثير منهم فاسدون الى حد كبير، وشبكات رجال الدين المؤثرين الذين يعملون في البزنس والسياسة. أما أحمدي نجاد فيمثل فيالق الحرس الثوري الاسلامي والباسيج المستضعفين، الذين يجندون الى حد كبير من بين صفوف الفلاحين الفقراء، كما أنه يعكس مصالح صغار الحرفيين وصغار الموظفين ورجال الدين الفقراء. وتنعكس هذه الفوارق الطبقية في السياسات الاقتصادية المتعارضة للاثنين. ويعد رفسنجاني بتطبيق النموذج الصيني، أي نظام رأسمالي بحكم سياسي استبدادي. وخلال الأيام الماضية كان موضوع رفسنجاني الرئيس هو رفاه الجميع.. أما أحمدي، على الجانب الآخر، فيعد بنموذج كوري جنوبي يهدف الى تحقيق الاكتفاء الاقتصادي الذاتي ، والاعتماد الأدنى على التجارة الأجنبية، وتعبئة الطاقات الوطنية لتعزيز الروح الثورية بدلا من جني المال. ويريد رفسنجاني أخذ ايران الى منظمة التجارة العالمية بأسرع ما يمكن أن تسمح به الولايات المتحدة. أما أحمدي فيريد تجنب منظمة التجارة العالمية باعتبارها وباء. وقد تتمنى الولايات المتحدة وقوى كبرى أخرى فوز رفسنجاني، لأنه كرجل أعمال ثري له موجودات بالدولار يمكن تجميدها في البنوك الأجنبية، وبالتالي فلن يحلم بإثارة مجابهة ثورية مع أحد. غير أن احمدي نجاد قد يحاول اقامة جدران حول ايران، على أمل اعدادها لاحتمالات عودة دراماتيكية الى بلد يكون قنبلة بشرية هائلة. وعلى العموم، فأحمدي نجاد يوفر بنية أكثر منطقية، بينما يدور برنامج رفسنجاني حول فكرة السياسة باعتبارها فن الممكن. وعندما ينشر هذا المقال، قد تكون حصيلة المنافسة معروفة، ولكن تقديري أنه اذا لم يتدخل «المرشد الأعلى» لتحديد النتيجة فان رفسنجاني سيفوز، لأن كثيرين ممن لم يقترعوا في الجولة الأولى سيمنحون أصواتهم له، على الأقل ليتجنبوا أفق الحياة في ظل شخص يأخذ خطابات الخميني الطويلة غير الناضجة مأخذ الجد. |