اليمن في عام 1962 م كان رجلٌ يتحدث في مقر الحكومة في عدن عن اليمن في عام 1962م عندما لم تكن هناك فنادق ولا سياح ولا حتى طريق إلى العاصمة صنعاء إلا الطرق الصخرية للجمال والسيارات الكبيرة ،حتى المراحيض المستوية لم تكن معروفة. لذلك كانت العملة التي تحملها ماريا تيرسا ثيلرز بصًرة هي عملات فضية كبيرة سكت في فينيا في عام 1741م يقول إنها المخاطرة أن تذهب إلى هناك لا أرى أنه يجب عليك أن تذهب إلى هذا البلد إنه في فوضى لا أحد يعرف ماذا يحدث ، أخر مرة انطلقت طائرة من هنا اختفت تماماً، يمكن أن يسلبوك ما معك أو يأسروك إنهم يرمون الناس في الزنزانات ، تعلمون أنهم يمكن أن يقطعوا عنقك ، يقول ذلك وهو يبتسم ابتسامة عريضة كان يتحدث عن اليمن ليس يمن الحاضر بفنادقه الخمسة نجوم في المدن وملاعب التنس ومراكز اللياقة والمتاجر والزيارات السياحية الجماعية إليه،(بغض النظر عما يحصل عرضياً من أحداث الآن ). كان يسمح للقليل من الأجانب بالدخول إلى البلد و يحتاجون إلى إذن شخصي من الإمام الحاكم – كان هذا الشخص الذي هو في مقر الحكومة متكئاً على الحانة في فندق الصخرة بعدن المستعمرة البريطانية في الجنوب آنذاك في الجانب الأخر للصحراء من الأرض الممنوعة . كان يتحدث بإحباط إلى ستة مراسلين أجانب متلهفاً للدخول إلى اليمن .حيث كان الإمام قد توفي وابنه قد أطاحت به الثورة التي أنهت (1100) سنة من الحكم الملكي. كان الستة المراسلين بريطانيين ما عدا أنا كنت كندي كنت أتقاسم غرفة الفندق مع مراسل من صحيفة الأوبزيرفر أسمه ( كيم فيلبي ) . إنه كيم فيلبي نفسه الذي اختفى من الشرق الأوسط بعد مرور أربعة أشهر فيها ثم ظهر في موسكو والذي تبين أنه الرجل البريطاني الثالث المشهور بالتجسس للإتحاد السوفياتي في الماضي ( لكن تلك قصة أخرى )- بالنسبة لتلك الأيام كنا قد أرسلنا برقيات إلى قائد الثورة في صنعاء ورجعنا الجواب بأنه يمكن عبور الحدود إلى اليمن . وبالرغم من التحذير من مقر الحكومة. استأجرنا سيارة لأند روفر كبيرة بسائقها الذي أنطلق بنا إلى أرض مملكة سبأ في الأرض العربية الأكثر شراً وكان معنا مصور جريدة نيوز ريل الأردنية ، الحمد لله أنه يتحدث اللغة العربية التي لا يتحدثها أحد منا . كانت ست ساعات متعبة على طول الطريق الغباري مع بعض النكات التي تنذرنا من أن اليمنيين سيرموننا في حفرة العقرب كنا نلقي نظرة سريعة إلى أحجار الحصون القديمة ، وموقع الأقدام الهادئة لقوافل الجمال ونساء يحملن على رؤوسهن علب الكيروسين فيها الماء كانت العربة تهتاج تحت لحافها الأزرق المطرز الذي يغطي سقفها . كان يوجد بعد بضعة كيلو مترات من الوديان الصخرية والقرى الطينية الحدود المروعة التي تتألف من لوح خشبي ثقيل عبر الطريق تتأرجح فوق صندوق خشبي . كان بجانب الصف من البيوت المسقوفة بالقش تقف سيارة مصفحة قديمة وضابط من الجيش اليمني الحافي بالزي العسكري القديم وهو قميص داخلي وعمامة وقلم من الريش مدسوس بجانب الخنجر في حزامه . اعتقدنا انه مستعد لرقصة لكنه قال لنا ( أهلاً ) ومال إلى السيارة لمصافحتنا كلنا، متجاهلاً جوازات سفرنا ولوح لنا بالعبور.ونحن نحث الخطى في السفر رأينا مشهد لنساء غير محجبات يعملن في الحقول المعشبة ، وجمال معصوبة العين تدور ببطء حول آبار المياه ، وزهور مذهلة ، ورجال يركبون الحمير وآخرين يمشون على الأقدام ، كل واحد منهم حاملاً سلاح أو بندقية قديمة ، وليس هناك دوريات من الجيش ولا أي علامة على الثورة ، من السهل جداً أن تكون قد وقعت، نحن ظننا ذلك وكنا على حق. ثم بعد ذلك ابتسموا جميعهم ورددوا ( عاش الشعب ) ثم صفقوا وتجمع حشد كبير حتى إننا لم نستطع الخروج من السيارة ( لاند روفر ) في الوقت الذي تدافعنا وسط الحشد لالتقاط بعض الصور وكان السائق متضايقاً كثيراً وكانوا يظهرون لافتات عليها صور جمال عبد الناصر رئيس مصر آنذاك وقائد الثورة الجديدة عبد الله السلال . ثم أُخذنا إلى شيخ القرية وكان هناك بندقية روسية الصنع معلقة على وتد مثبت في الجدار.. أمتلئ المكان برجال القبائل في جلسة قات مبهجة (الأوراق المخدرة والتي هي حول كل رجل يمني يمضغها ) في ذلك الوقت قدم أحدهم ست قوارير بيبسي كولا وقال الشيخ مرحباً بكم . إنه لم يرى صحفيين من قبل وسأل ما هي بلداننا التي أتينا منها وأين هي .أنا من كندا التي لم تكن في ذلك الوقت سيئة . بعد بحث سريع في حقائبنا في حالة ما إذا كنا نحمل سلاحاً أو أرسلت عن طريقنا كان المتظاهرون حقاً يتأرجحون بالنشيد ويصعدون فوق سيارتنا ويركضون خلفنا لمدة ساعتين يغنون ويلوحون باللافتات لحين توقفنا لنحيي الاحتفالية . وكان كيم فيلبي آنذاك يتمتم ( كان والدي يكره ذلك ) كان والد فيلبي واحد من المستكشفين في الصحراء العربية ولم يتمكن من الدخول إلى اليمن التي نحن فيها وراكبون كسياح وحشيين .عدد لا يحصى من أكواب الشاي توالت علينا إلى قمة التل في المدينة الحجرية لمحافظة تعز بالقصر القديم للإمام الراحل وكان الجنود يحملون صناديق لبنادق روسية من قبو القصر. اكتشفنا بأن واحداً من هذه الصناديق من جنوب أفريقيا فيه شراب مسكر ، ولوحظ أن الصندوق مكتوب فوقه ( قرآن ) ،تجولنا خلال المباني وكانت فرس الإمام البيضاء مربوطة عند البوابة ، تصهل بارتباك ،كانت القيود معلقة على مسامير في الجدار وكان التاج متدلي على العرش الخشبي وكان هناك بضعة جنود مرتمين أسفل كرسي العرش يضربون ببنادقهم على ركبهم ويهتفون ( تحيا الجمهورية ). لم يكن هناك الكثير من الأماكن المبنية نصفها بالحجارة والنصف الأخر بالطوب والطين .كنا نريد أن نسمع أن الإمام كان يملك قطار كهربائي يجري حول حمام الاستجمام التابع له ، لم يكن هناك حتى مركب قديم ، كان الحمام زنزانة صلبة خضراء مع صنبورين للمياه الباردة ودلو خشبي ، كان المطبخ صينيات من الصفيح الرخيص ، تحمل صورة الملكة إليزابيث والأمير فيليب. في الغرفة الأخرى خزائن فيها بعض الأمتعة الملكية الشخصية الدقيقة نصف مجموعة من الدومينو ( الدومنة ) وفرشاه أسنان مكسورة وعلبة من الشوكولاته ومجفف شعر للحيته لابد أنها كانت محل إقامة ملكية بسيطة في القرن العشرين .
حكم لمدة (14) سنة بالسيف أعدم معارضوه علناً وضرب عنق شقيقاه والبعض كان يقول أنه اتبع سياسة والده بالإبقاء على القبائل بحبس الشيوخ وأخذ أبنائهم كرهائن . بعض اليمنيين وصفوه بأحمد ( ياجناه ) والبعض الآخر وصفوه بالعمامة الكبيرة .. لكني وجدت العمامة في غرفة نومه وجربتها فكانت صغيرة جداً وفي مساء ذلك اليوم التقينا أعضاء مجلس الوزراء الجدد والذين وضعونا في بيت الضيافة الملكية المزعجة من قبل أشخاص مزعجون ومحمية من قبل الجنود الذين يتناولون القات على الأرض ويغنون طوال الليل. بعد الإفطار ( بالجبن المعلب ) أخذنا معلومات من خدام بيت الضيافة مع ماريا ثيريسا سيلفر ثيلر وأقلتنا العربة إلى المطار ووقفنا بجانب المدرج الذي كان طريق لطائرات مقاتلة سوفيتية ذات شبكة الأسلاك المأكولة من قبل الفئران .قدمت طائرات قديمة ( DC3) بطاقم مصري وأقلعنا إلى صنعاء عاصمة اليمن الآن . توجهت العربات خارج أحد الأبنية الحجرية في المدينة إلى قصر قديم يعج بالجنود والضباط المصريين والذي هو مقر الثورة. بخطوات أمامية دخل رجل من الحاشية وقدم نفسه بصفته نائب رئيس الوزراء يريد منا أن نأتي إلى الطابق العلوي لنتناول الغداء وكانت المائدة مغطاة بقماش زيتي وبعد عدة دقائق جلس بيننا ضابط من الجيش ملتحي وشعر صدره بارز ، سألناه متى نستطيع لقاء الرئيس السلال فقال لنا المضيف ( إن هذا هو القائد السلال ) مشيراً إلى الضابط أسقطنا قطعة القماش ودفعنا إليه دفاتر الملاحظات . قال لنا القائد إن الثورة نجحت لكن كان قصر البشائر المحطم وإقامة الإمام الجديد محمد البدر على مسافة (200) متر ، أوحت بأنه ربما قد نجا كانت القذائف قد دمرت الطابق العلوي فقط للقصر كما لاحظنا ، وتبين لاحقاً أن الإمام هرب من أسفل المرحاض إلى تجمع القبائل الملكية في الجبال الشمالية ونتج عن ذلك حرب أهلية استمرت لسنوات .
كان مكتب القائد السلال مملؤ بأسِرة للضباط المصريين وأضيفت سبعة أسرة لنا ولم يكن هناك أي أثاث تقريباً في المبنى ولا مكان لأحد أن يعمل . ثلاثة من العرب في بدلات عمل جاثمين في حافة النافذة يصممون علم للجمهورية الجديدة وشيوخ وقبائل جالسين على الأرض يرتشفون الشاي.
|