![]() الشهر الحاسم في تاريخ السودان لا ريب أن هذا الشهر سيكون شهر الفصل في مصير السودان ومستقبله لأنه سيشهد البلورة الفعلية لبدايات تطبيق اتفاق السلام، فإن كانت قومية فإنها ستمضي في مسالك الوحدة والوئام، وإن تخندقت في الثنائية فإنها ستعجل بانفصال الجنوب قبل إكمال فترة الانتقال، وقد تؤدي إلى مزيد من تقسيم السودان. وللأسف فإن الصورة هذه الايام لا تدعو إلى التفاؤل، فالخطاب السياسي يتسم بالحدة لدى الجميع، والمبارزات تطل برأسها هنا وهناك عوضاً عن التوافق والمصالحات، وفي ذلك مؤشرات تتناقض تماماً مع متطلبات المرحلة الداعية للحكم القومي ووحدة الرؤى لتنفيذ الاتفاق وجعل الوحدة الخيار الجاذب للجنوبيين. في هذا المناخ الملبد بغيوم المناورات والمؤامرات تكاد تكون الثقة مفقودة تماماً بين الشريكين الحكومة والحركة ويتجلى ذلك في التفاسير المتضاربة لبنود الاتفاق، وفي توجهاتهما نحو القوى الأخرى، وفي الصراعات التي تجاوزت حدود الهمس داخل كل فريق منهما حول اعتلاء المناصب، وهذه كلها مقدمات تطرح الكثير من التساؤلات المتشائمة بأكثر مما تفيد بأن هذه القيادات على قدر المسؤولية الكبيرة التي تواجه البلاد هذه الأيام. وهذه الأجواء المحبطة لا يستشعرها غالب أهل السودان وحسب، وإنما لمستها الامم المتحدة حيث حذر مبعوثها الخاص في السودان يان برونك مساء الخميس الماضي في ندوة بجامعة الخرطوم من خطر تقسيم السودان، وأضاف: “ان تقسيم السودان يمكن ان يهدد المنطقة بأسرها، ولكي تكون الوحدة جاذبة فلا بد من استتباب الأمن ومراعاة حقوق الأقليات وتحقيق العدل والمساواة”. وما كان له ان يحذر من التقسيم لو لم يلمس ما يشي باحتمالات حدوثه، خاصة ان الامين العام للأمم المتحدة الذي زار السودان قبل أيام تحدث مذكراً بالتزام الحكومة والحركة بتكوين حكومة وحدة وطنية، ومشدداً على ضرورة مشاركة كل الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني في وضع وصياغة الدستور الذي يتضمن الحريات والمواثيق المتعلقة بحقوق الانسان ومنوهاً بوجوب حماية الدستور للشرائح الضعيفة في المجتمع كالمرأة، والطفل. وإذا اخذنا تحذير يان برونك مقروناً مع ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة لتبين لنا ان حكومة الوحدة الوطنية لا تبدو قريبة المنال، وأن الدستور قد وضع في غياب كل القوى التي عددها، وبالتالي فإن هذه البدايات تتناقض تماماً مع الغايات التي لا ترتجيها الأمم المتحدة فحسب وإنما تتعارض مع الدور المرسوم للأمم المتحدة القيام به في مراقبة وحفظ السلام اثناء تنفيذ الاتفاق تحت اشرافها، المتمثل في نشر اكثر من عشرة آلاف جندي في السودان. وبما ان كثيراً من الناس لا يدركون حجم الدور المناط بالأمم المتحدة في السودان والذي يصل حدود الوصاية إذا لزم الأمر، نشير هنا إلى موقفها من اعتقال الحكومة لمسؤول “منظمة أطباء بلا حدود” حيث قال برونك انه سيثير مع الرئيس عمر البشير خلال لقاء يجمعهما هذه القضية وسيطلب وقف الإجراءات القانونية وملاحقة مسؤولي المنظمة، وتعهد بحماية أي صحافي يسافر إلى دارفور للتأكد من وجود اغتصاب وضمان نشر تقريره في الصحف المحلية التي تراقبها السلطات الأمنية! ولا شك أن هذا التعهد يكشف مدى الصلاحيات التي تتمتع بها الامم المتحدة بما في ذلك انشاء مؤسسات اعلامية صحافية وإذاعية تابعة لها وتتمتع بالحرية الكاملة. وفي الخرطوم تزّعم حزب الأمة المعارض قيادة تنظيم جديد باسم “تحالف القوى الوطنية” ضم أكثر من اثني عشر حزباً وتنظيما بما في ذلك المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الدكتور الترابي، وقرر الكيان الجديد تصعيد النضال الشعبي بكل الوسائل المدنية لمواجهة فشل النظام في إدارة البلاد والحفاظ على مصالح الشعب، وطالب بتحويل اتفاق السلام المبرم بين الحكومة والحركة من ثنائي إلى قومي، ويعتبر هذا التحالف موازياً للتحالف المعارض المسمى بالتجمع الوطني الديمقراطي المعارض، ما يعني اصطفاف كل قوى المعارضة تقريباً في هذين التجمعين، لكن الحكومة، قللت من شأن التجمع الجديد واعتبرته لا يمثل شيئاً وسخرت منه بينما مفاوضاتها في القاهرة مع التجمع الآخر تراوح مكانها، والحاضر الوحيد فيها قرنق بوصفه جزءاً من التجمع وليس بصفته شريكاً منتظراً في الحكم! ومع ذلك حتى كتابة هذه السطور لم تنجح محاولات قرنق في جعل التجمع ينخرط في العملية الثنائية كون التجمع يطالب بقومية المنهج والحكم وبقسمة عادلة. وأياً كان الأمر فإن المطلوب هو وجوب احترام الأصول الديمقراطية من كل الاطراف سواء في الحكم أو المعارضة بعيداً عن توجهات نفي الآخر وإنكار حقوقه، وما لم يحترم هذا المبدأ فلن يكون السودان في طريقه لبناء ديمقراطية حقيقية، بل سيوغل في الشمولية، علماً بأن زعيم حزب الامة أكد أنهم زاهدون بالمشاركة في حكم يتأسس خارج الاطار الانتخابي لكنهم يريدون كفالة الحريات وقومية المؤسسات وضمان اجراء الانتخابات بحرية وانهم عبر الديمقراطية بوسعهم ان يحققوا اهداف الشعب، وحذر الأمم المتحدة من توظيف نفسها لحماية نظام شمولي وقال: “نحن نعتقد ان الأمم المتحدة لن تخلع قميصها على أبواب السودان لتحمي نظاما شموليا لا يقوم على المبادئ الانسانية”. وحتى هذه اللحظة، من كل ما تقدم، تبدي الأمم المتحدة حرصاً ما بعده حرص على تشديد التذكير بوجوب قيام الحكم القومي ووضع الدستور بمشاركة كل قوى المجتمع ولن تتخلى عن هذه الأهداف السامية، ولكن على الحكومة ان تتبين حجم المخاطر التي ادركتها الأمم المتحدة، وهي ان البلاد مهددة بالانقسام، وان هذه الاتفاقية التي يراد تطبيقها عبر ست سنوات لن تنتظر سنة واحدة حتى يرى الجنوب وهو قد انفصل بالفعل إذا استمر الحال على هذا المنوال من الانقسامات والصراعات، لأنه يعكس ان لا أمل في الاختبار طالما البدايات بهذا القدر من الفشل والاحباط وانعدام الثقة، بل ومنذ الآن بدأت شوكة دعاة الانفصال تقوى وتتمدد داعية للانفصال دون انتظار سنوات الاختبار، بينما هذه الحكومة المحسوبة على الشمال لا تحرك ساكناً في لملمة قوى المعارضة الشمالية، والمتحرك الوحيد هو الدكتور جون قرنق الذي يفاوض اركان التجمع في القاهرة، وهي في الخرطوم لا تكف عن صب الزيت على النار بالنسبة للتجمع المعارض الجديد الذي تشكل قبل ايام في الداخل لكأنها لا تريد ان تسمع أو ترى أن في شمال البلاد قوة غيرها. وتلك هي مصيبة أهل الحكم، وللأسف ستكون مصيبة كل أهل السودان، خصوصاً أهل الشمال. |