![]() الإرهاب والمحاكمات !! ما بين العاصمة الأسبانية مدريد ومدينة الاسكندرية قرب واشنطن واليمن ومصر والسعودية والأردن وغيرها من الدول العربية والاسلامية تعددت في توقيتات متقاربة محاكمات الارهاب والارهابيين بصورة مكثفة لم يشهد العالم مثلها.. ولعل اغرب المحاكمات التي تشهدها اسبانيا لمحاكمة 24 مشتبها فيهم للقيام بتفجيرات احداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الأمريكية وليس بأسبانيا والتي اطلق عليها اكبر محاكمة للإرهاب في اوروبا الموحدة ومع غياب راس تنظيم القاعدة اسامة بن لادن عن المحاكمة لأسباب متعددة اهمها هو عدم نجاح القدرات الأمنية الأمريكية والدولية على مدى السنوات الأربع الماضية في الكشف عن وجوده والقبض عليه ان كان حياً او ميتاً او وهماً او خيالاً ونرجو من الله ألا يكون وجوده حائط مبكى للأمريكيين لتنفيذ ما يريدون في المنطقة تحت دعوى مطاردة ابن لادن واعوانه من تنظيم القاعدة الذين كانوا اول من ساعدوا على انشائه وتجنيد رجاله من الأفغان العرب لمحاربة الشيطان الأكبر الاتحاد السوفييتي سابقاً وسرعان ما انقلب المارد على صانعه الذي لم ينجح في تحجيمه واستغلال خبراته التي اكتسبها خلال الحرب فيما هو صالح ونافع واعتقد انه مبعوث العناية الالهية لإصلاح الكون بالإرهاب والقتل وهو الأسلوب الوحيد الذي وجده أصحابه بعد استنزاف قدراته في تحقيقه أهداف أمريكا وتركت الشباب يبحث عن مستقبله الضائع ووجده في محاربة امريكا التي صنعته وامتدت شظايا أعماله الى الداخل كما اصابت الخارج واصبحنا جميعاً في بؤرة الاتهام دون ذنب ارتكبناه جميعاً إلا أننا عرب ومسلمون ينتمي الينا الأفغان العرب. هذا الواقع المرير الذي عشناه واصبحنا جميعاً عاجزين عن علاجه يعود بنا الى محاكمة العصر للإرهاب في اوروبا والتي خرج ادعاؤها بأغرب مطلب بمعاقبة 3 من المشتبه فيهم من تنظيم القاعدة بالسجن 62 ألف عام لكل منهم وذلك بمعدل 25 عاماً مؤبدا مقابل كل قتيل من بين القتلى الـ2500 الذين راحوا ضحية تفجيرات برج التجارة العالمية بنيويورك في احداث 11 سبتمبر بأمريكا عام 2001. والأغرب والأخطر ان الادعاء الذي طالب بهذه العقوبة المجسدة والتي في حالة صدورها لا بد ان تتوارثها اجيال المتهم جيلا بعد جيل الى ان يقضي الله امراً كان مفعولاً ويرث الأرض ومن عليها هذا الادعاء اعترف بأن السوري عماد الدين عرفات بركس الذي يطلق عليه تنظيمياً (ابو الدحداح) كان يجند عناصر اصولية ويرسلها الى التدريب في افغانستان بدعم وتأييد امريكي!! وعلى الجانب الآخر وكما يقول المثل وشهد شاهد من اهلها اعترف المتهم لويس خوسي جالان الاسباني الذي اعتنق الاسلام واطلق عليه اسم (يوسف جالان) انه ليس ضد ولا مع ابن لادن وانما مع العدالة وقال: نحن المسلمين نود العيش بسلام ولسنا ارهابيين وان الاسلام يدين سفك دماء الأبرياء هذا الاعتراف يعود بنا الى اصل القضية وهو من صنع ووضع جذور الارهاب في المنطقة وجندها من اجل تحقيق مصالحه ورغم ذلك يجسد الادعاء الأسباني العقوبة ويطالب بأكثر من 187 ألف سنة سجناً للمعتقلين وسيواجه في المحاكمة المنتظر ان تستمر على مدى الأشهر الثلاثة القادمة تحدياً كبيراً لتقديم ادلة لإدانة المتهمين بعد ان سجل اقوالهم في 300 مجلد تضم مائة ألف صفحة. وفي اليوم التالي لبدء محاكمات مدريد شهدت مدينة الاسكندرية بالقرب من العاصمة الأمريكية واشنطن محاكمة اخرى لإحد العناصر المشتبه فيها بالتواطؤ والاعداد لتنفيذ هجمات 11 سبتمبر ولكن المشتبه فيه الفرنسي من اصل مغربي زكريا موسى في بداية المحاكمة فجر قنبلة باعترافه باعداد تنظيم القاعدة له لقيادة طائرة تصطدم بالبيت الأبيض وليس ببرج التجارة العالمي من اجل اجبار الولايات المتحدة على الافراج عن الشيخ عمر عبد الرحمن الذي يقضي عقوبة بالسجن مدى الحياة في امريكا بعد اتهامه بالمشاركة في تدبير تفجير جسور وانفاق بنيويورك عام 1993 والأغرب ان نشاط عمر عبد الرحمن في مصر وخروجه منها الى السودان وامريكا واقامته بها وتبني دعوته ثم الانقلاب عليه امريكياً لاتزال تثير لغزاً من بين الألغاز الكثيرة التي تحيط بالدور الأمريكي في زرع جذور عناصر الارهاب ودعمهم في المنطقة للعمل من اجل مصالحه ولكنهم للأسف انقلبوا عليه فكان جزاؤهم العقاب والمطاردة والسجن آلاف السنين والاعدام قبل كل ذلك بكثير بحكم المحكمة او من خلال المطاردة الدولية المكثفة. وعلى الرغم من المفاجأة التي كشف عنها موسوي في المحكمة التي تحاكمه بتهمة اخرى ولم تنجح اجهزة المخابرات والمباحث الفيدرالية الأمريكية في الكشف عنها وقوله انه جاء الى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في مخطط يقضي باستخدام الطائرة كسلاح دمار شامل وتدرب على قيادة الطائرة البوينج 747 لمهاجمة البيت الأبيض وهي تختلف بالطبع عن التهمة التي قدم اليها للمحاكمة لاشتراكه في الاعداد لمهاجمة مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية بواشنطن) في سبتمبر 2001 وقال: إن الصدفة هي التي ادت الى اعتقاله قبل شهر واحد من وقوع هجمات سبتمبر بتهمة بعيدة عن الارهاب وتتعلق بإبلاغ مدرسة الطيران التي يتدرب بها بأنه يتصرف بطريقة مثيرة للشكوك وبناء عليه تم القبض عليه وقدم للمحاكمة بعد 4 سنوات من الأحداث. امام ذلك كانت دعوة موسوي وهو يغادر الجلسة الأولى لمحاكمته بالدعاء الله اكبر.. الله اكبر ولعنة الله على امريكا. ومن اوروبا وامريكا الى عالمنا العربي نجد بكل اسف حوادث الارهاب تتصاعد وتتعدد صورها من لغز حادث تفجير السياح الأجانب بحي خان الخليلي بمصر والذي تواصل اجهزة الأمن الكشف عن باقي تنظيم الخلية التي ساعدت الشاب على التفجير. وفي الوقت نفسه فإن الحادث ألقى بظلاله وطرح العديد من الأسئلة في الشارع المصري والعربي خاصة بعد حالة الهدوء النسبي بعد تفجيرات طابا وما زالت تداعياتها الى الآن رغم عودة السياحة الى منطقة سيناء الا ان المخاوف الأمنية ماتزال مستمرة وهو منطق خطير وغريب. وللأسف فهو منطق سائد ولكنه في الوقت نفسه خطير لعدم تجفيف منابع الارهاب والارهابيين بالقضاء على المشاكل الكامنة التي تدفع بالشباب صغير السن للتغرير بهم وهي قضية سنعود اليها بالتفصيل مع استعراض سريع لبانوراما الحوادث الاهابية في الوطن العربي من المحيط للخليج التي تتركز فيه بكل اسف في الفترة الأخيرة بصورة غير مبررة الحوادث الارهابية في المملكة العربية السعودية والتي تكتشف اجهزتها الأمنية يوماً بعد يوم خلية ارهابية جديدة وآخرها خلية مكة التي كانت متخصصة لإرسال مقاتلين لأبومصعب الزرقاوي الأردني في العراق عبر اليمن والحدود السورية بالتهريب الى جانب استشهاد وجرح اعداد كبيرة من الأجانب والمواطنين الآمنين والعاملين وذلك في احداث غير مبررة على ارض الحرمين الشريفين ومن السعودية الى اليمن التي شهدت انتهاء المواجهة الأمنية مع حسين الحوثي واعوانه بمنطقة صعدة قرب الحدود السعودية ولكن مازال الأب ونائبه هاربين وعدد من اعوانهم وهوما يعني ان المواجهة مستمرة والأخطر هو ان الخلاف ديني مع الدولة وانهم خرجوا عن المذهب الزيدي الذي تعتنقه اعداد كبيرة من اليمنيين وكفروهم وتبنوا فكر الاثني عشر الشيعي واصبح مرجعهم الامام الحسين رحمه الله وهو الفكر الذي يتمسك به الشباب بالسجن ولم يغيروا آراءهم وافكارهم بالحوار لأن الحسين لم يأمرهم بتغييره ولذلك فإن اليمن وغيره بحاجة الى الكثير والكثير من الاصلاح والمعالجة في مجالات التعليم والتربية وغيرها. وهذا كله يدعونا الى لقاء الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى بأربعة من وزراء الأوقاف العرب على هامش اجتماعات المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية بمصر ومطالبتهم بعقد اجتماع موسع لوزراء الأوقاف والشؤون الاسلامية والدعوة والارشاد بالعالم العربي لدراسة كيفية مواجهة ظاهرة التطرف والغلو في الدين بالعالم العربي وفي الوقت نفسه كيفية مواجهة الاتهامات الظالمة بحق العرب والمسلمين من الغرب. وهي دعوة جيدة ولكنها بحاجة الى ان تضم علماء الدين المسيحي ايضاً وممثلي المذاهب الدينية لمواجهة اخطر قضايا العصر الحديث في عالمنا العربي المعاصر وهي قضية الصراع القادم بين المذاهب الدينية من جانب وبين الأديان من جانب آخر وهو صراع خطير اذا تركت جذوره تنمو سيمحو الأخضر واليابس من حياتنا ونقضي على انفسنا بأيدينا وايدي ابنائنا الذين نشأوا على الحقد والكراهية والتربية على اسس معتقدات خاطئة وعنصرية في الدين والمذهب والعقيدة. ولا بد ان يكون شعارنا جميعاً في المرحلة المقبلة (الدين لله والوطن للجميع) والا سنضيع جميعاً لأن يكون لكل منا مذهبه ودينه ونتصالح نحن ابناء الوطن الواحد وهو ما تريده بكل اسف قوى خارجية من خلال ابراز الخلافات وتجسيدها واللعب على اوتارها لتمزيقنا. لا يوجد دين من الأديان السماوية ينص على الكراهية والحقد والسرقة والزنا وشرب الخمر وقتل النفس التي حرمها الله... الخ كلها رسالات سماوية لحياة افضل للإنسان ومن حق كل انسان ان يحدد علاقته بخالقه ولكن لا يكفر الآخر والمجتمع ولا يتعصب ولا يقتل من اجل اكراه الآخرين على اتباع عقيدته ومذهبه وليكن اختلافنا جميعاً رحمة. ولذلك فإذا كانت المحاكمات تنصب لأبنائنا في الخارج لجرائم الارهاب التي وضعت القوى الخارجية بذورها في المنطقة يجب علينا ان ندرك بصورة واضحة وصريحة بدون مجاملة اسباب الظاهرة الدخيلة ونعمل على معالجة آثارها ونبدأ في دراسة واقعنا الديني بصراحة ووضوح لنضع اسسا للحياة الآمنة المستقرة بأمن وسلام دون المساس بمذهب وديانة أي فرد في المجتمع انطلاقاً من الحرية الدينية وحرية العقيدة التي يجب ان نحترمها جميعاً في اطار دولة القانون والمؤسسات التي يجب ان تتصاعد ولا تكيل بمكيالين في اطار حرية وكرامة الانسان التي كرمتها جميع الأديان السماوية والقوانين. وفي الوقت نفسه لا بد في ظل التركيبة القبلية التي نحترمها ايضاً ان نعود بها الى الجذور ونحافظ عليها من خلال تعاملها مع المجتمع بعيداً عن العصبية ومراعاة الصالح العام ويأتي ذلك من خلال برامج قوية لإصلاح التعليم في مختلف مراحله ومناهجه خاصة وان التعليم الحالي اصبح بكل اسف في اغلب دولنا العربية لا يلبي احتياجات الشباب والمجتمع والنتيجة امامنا ارتفاع وزيادة نسبة الباحثين عن عمل في عدد من الدول يوماً بعد يوم من خريجي وخريجات شباب الجامعات والمعاهد العليا لحاجتهم لمزيد من التأهيل والخبرة بعد التعليم العام والجامعي. وفي الوقت نفسه فإن تخلي وزارات التعليم عن دورها الأساسي كوزارات اولاً للتربية ثم للتعليم وسباق المجاميع افقدنا الكثير من اسس التربية المتكاملة لأبنائنا الموقف. خطير والأخطر هو حالة الصمت الذي نعيشه في انتظار للقادم وهو اسوا اذا لم نسرع بالتحرك. نائب رئيس تحرير الأهرام |