![]() السودان يتعافى من حق اخواننا في السودان ان يرتاحوا من بعد هذا »اللااستقرار« الذي راح ضحيته الآلاف من البشر، والآلاف من الجائعين والمشردين، ومن حقهم ان يعودا مرة اخرى الى »السلام الوطني«، وما يمكن ان ينجزه من مشرعات تنموية وديمقراطية واحساس حقيقي بالمواطنة.. التي حرموا منها طيلة هذه السنوات المنصرمة. ومن حقنا ايضا -ان نضم صوتنا الى الكثيرين من الذين اوجعتهم مرارة الانسدادات السياسية التي عصفت بالسودان، وفجيعة الاشتباكات التي كادت ان تضع هذا البلد العزيز في »مرجل« النيران الداخلية والخارجية على حد سواء، لنطالب الاشقاء هناك باعتبار »وثيقة القاهرة« التي انتهت الى المصالحة بين الحكومة وبين المعارضة الشمالية، بداية لعهد سوداني جديد.. يطوي صفحة الامس ويعيد الى السودانيين ما افتقدوه من وئام واستقرار. ومع اننا نعرف -بعد عشرات الاتفاقيات واللقاءات والتي امتدت من مشاكوس الى نيروبي ومن انغوشا والقاهرة الى ابوجا- ان معادلة »المصالحة« بين اطراف اللعبة السياسية السودانية، معقدة.. معقدة جدا.. وانها لم تصل الى الحدّ المطلوب الذي ينتظره الشعب السوداني، الا اننا -وبدافع التفاؤل- نتمنى ان تكون هذه الاطراف قد اقتنعت -نهائيا- بأن الحوار والتفاهم على المشتركات الوطنية -وما اكثرها- هو البديل الوحيد لصناعة المستقبل، وطيّ سجل الحرب، والمشاركة الفعلية في انقاذ البلد من محنته وتمكين شعبه من الحياة الكريمة، وتجنيب امتنا من ويلات التدخل الخارجي.. والضرب في اهم خاصرة لامنها القومي. واذا كنا -فيما مضى- قد تخوفنا من مآلات اتفاق نيروبي الذي انهى مشكلة الجنوب، وأوقف شلالات الدم التي غرق فيها السودانيون، فإننا -اليوم- لا نتردد عن الترحيب بما تم في القاهرة، وبما يمكن ان يتم في »أبوجا« حيث جرح دارفور الذي ما زال يستنزف هيبة الحكم السوداني وسمعته وموارده، والاهم بما يمكن ان يبادر اليه الرئيس البشير على صعيد انهاء محنة الشيخ الترابي، وفتح النوافذ الديمقراطية والاصلاحية لاستيعاب كل السودانيين، مهما كانت اتجاهاتهم، ذلك ان حل مشكلة النظام مع معارضي الشمال والجنوب سيظل ناقصا، ما دام ان الاستقرار الداخلي يعاني من »ازمة«، وما دام ان كثيرين من معارضي الداخل يشعرون بالتضييق او يحرمون من المشاركة او يودعون في السجون، او يتخوفون من المحاصصات او يترددون في تفكيك الميليشيات. ويبقى ان غياب الاهتمام العربي بالمشكلة السودانية، ونهوض السودانيين الى معالجة ازماتهم بأنفسهم، واقتناعهم بأن الانتظار او التأجيل سيترك فراغا كبيرا يتسلل منه الاجنبي للتدخل وفرض ما يريد.. هو الدرس الاهم الذي يجب ان نتعلمه من كل ما حدث.. فلقد ثبت بأن حرص ابناء هذا البلد عليه، ووعيهم على ما يراد منه وله، هو الذي دفعهم الى اللقاء على مائدة الاتفاق والحوار.. والعودة -مجددا- الى النضال السياسي المشروع من الداخل.. بدل انتظار »العودة« على ظهر دبابات الآخر التي لا تحمل الا الويل والدمار |